حسن قاسم
في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تتكشف بين الحين والآخر مواقف وتصريحات تعيد التأكيد على ثوابت السياسة التركية تجاه القضية الكوردية. فالتصريحات المنسوبة إلى رئيس الاستخبارات الإسرائيلية السابق، والتي تحدث فيها عن نجاح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعدم دعم أي مشروع قد يقود إلى قيام كيان كوردي في إيران، تعكس – إن صحت – حقيقة لا تبدو جديدة على المتابعين، وهي أن أنقرة تنظر إلى أي تطور في المسألة الكوردية خارج حدودها باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية.
هذا الموقف التركي ليس وليد اللحظة، بل يمثل امتداداً لسياسة طويلة الأمد تقوم على رفض أي صيغة قد تمنح الكورد حق تقرير المصير أو تؤسس لكيان سياسي مستقل أو شبه مستقل يمكن أن يشكل نموذجاً قابلاً للتكرار داخل تركيا نفسها. ومن هنا، فإن الموقف التركي يبدو واضحاً ومنسجماً مع رؤيته لمصالحه الوطنية، بغض النظر عن مدى اتفاق الآخرين أو اختلافهم معه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه في المقابل: إذا كانت تركيا تعلن بوضوح رفضها لأي مشروع قومي كوردي، فما الذي يدفع بعض القوى الكوردية إلى تقديم مبادرات وتنازلات مجانية تحت عناوين مثل “الاندماج الديمقراطي” أو “الشراكة الوطنية” دون الحصول على ضمانات سياسية أو دستورية واضحة تحفظ الحقوق القومية للكورد؟
إن أي عملية اندماج أو تسوية سياسية يفترض أن تقوم على مبدأ المصالح المتبادلة، لا على مبدأ التنازل من طرف واحد. فالاندماج الحقيقي لا يعني التخلي عن الهوية القومية أو الحقوق السياسية، بل يفترض أن يكون إطاراً يضمن المساواة والاعتراف والشراكة الفعلية. أما عندما يتحول إلى مجرد دعوة للتخلي عن المطالب القومية دون مقابل، فإنه يصبح أقرب إلى عملية استيعاب سياسي منه إلى مشروع ديمقراطي متوازن.
وفي هذا السياق تبرز مخاوف متزايدة من الدور الذي يمكن أن يلعبه المبعوث الأمريكي توماس براك في المرحلة المقبلة. فالرجل الذي ينظر إليه كثيرون على أنه صاحب علاقات وثيقة مع دوائر صنع القرار في تركيا، قد يتحول إلى لاعب مؤثر في رسم الترتيبات السياسية والأمنية الجديدة في سوريا والعراق. وتزداد حساسية هذا الدور إذا ما ارتبط بمحاولات إعادة هندسة المشهد السياسي بما يتوافق مع المصالح التركية أكثر مما يتوافق مع تطلعات شعوب المنطقة ومكوناتها المختلفة.
ولا تقتصر خطورة هذه المرحلة على القضية الكوردية وحدها، بل تمتد إلى مستقبل الاستقرار الإقليمي بأسره. فالتعامل مع حقوق ملايين الكورد بوصفها مجرد ملف أمني أو ورقة تفاوضية لن يؤدي إلى حلول مستدامة، بل قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من التوتر وعدم الاستقرار. لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن تجاهل الحقوق القومية والسياسية للشعوب لا يلغي مطالبها، وإنما يؤجل انفجارها إلى وقت لاحق.
أمام هذه التحديات، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة كوردية شاملة للسياسات والخيارات المتبعة. فبدلاً من الارتهان للرهانات الخارجية أو انتظار تغير مواقف القوى الدولية، قد يكون من الأجدى العمل على بناء مشروع سياسي كوردي واقعي وموحد، يستند إلى الشرعية الشعبية ويحدد بوضوح الأهداف والوسائل وحدود التنازلات الممكنة.
كما أن توحيد الصف الكوردي لم يعد ترفاً سياسياً، بل أصبح ضرورة وجودية في ظل التحولات الراهنة. فالانقسامات الداخلية تمنح القوى الإقليمية والدولية فرصاً أكبر للتأثير والضغط، بينما يوفر الحد الأدنى من التوافق الوطني قدرة أفضل على حماية المكتسبات والدفاع عن الحقوق.
إلى جانب ذلك، يحتاج الخطاب الكوردي إلى الانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة، عبر تقديم رؤية ديمقراطية متكاملة لسوريا والعراق والمنطقة، تربط بين حقوق الكورد وحقوق بقية المكونات، وتؤكد أن تحقيق العدالة والمواطنة المتساوية واللامركزية السياسية ليس مصلحة كوردية فحسب، بل مصلحة وطنية وإقليمية عامة.
إن المرحلة المقبلة قد تكون من أكثر المراحل حساسية في تاريخ القضية الكوردية المعاصر. وبين وضوح المواقف الإقليمية وتبدل الحسابات الدولية، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الكورد أنفسهم على قراءة المتغيرات بواقعية، وتحصين بيتهم الداخلي، وصياغة مشروع سياسي متماسك يحولهم من موضوع للمساومات إلى طرف فاعل في صناعة مستقبل المنطقة. فحقوق الشعوب لا تُصان بالشعارات وحدها، ولا بالتنازلات المجانية، وإنما بوحدة الموقف، ووضوح الرؤية، والقدرة على الدفاع عن المصالح المشروعة ضمن إطار سياسي مسؤول وقابل للحياة.