هل نحن جميعاً مسؤولون حقاً؟ بين تمييع المسؤولية والوعي المجتمعي في القضية الكردية في سوريا

شادي حاجي
كثيراً ما تتكرر عبارة «كلنا مسؤولون» عند مناقشة ما آلت إليه الأوضاع السياسية والأمنية والإدارية في سوريا عموماً، وفي القضية الكردية في سوريا خصوصاً.
ورغم أن هذه العبارة تبدو للوهلة الأولى دعوة أخلاقية جماعية لمراجعة الذات، إلا أنها قد تتحول أحياناً إلى صيغة فضفاضة تُذيب الفوارق الحقيقية بين من امتلك القرار ومن كان مجرد متأثر بنتائجه.
فليس كل من عاش نتائج الأزمة مسؤولاً عنها بالدرجة نفسها.
هناك فرق جوهري بين أن يكون الإنسان متأثراً بما حدث، وبين أن يكون مسؤولاً عنه. فالمواطن العادي، أو الضحية، أو الفرد الذي لم يمتلك سلطة سياسية أو أمنية أو إعلامية، لا يمكن وضعه في المستوى نفسه مع من امتلك أدوات القرار والتأثير والتنفيذ.
ولهذا ربما تكون الصياغة الأدق هي:
«كلنا تأثرنا بما حدث، وبعضنا مسؤول أكثر من بعض بحسب موقعه وقدرته وتأثيره».
هذه المقاربة لا تهدف إلى إعفاء المجتمع من أي دور، لكنها ترفض في الوقت نفسه تمييع المسؤولية الحقيقية تحت شعار جماعي عام. بل إن مقولة «كلنا مسؤولون» قد تتحول أحياناً إلى وسيلة للهروب من تحديد المسؤوليات الفعلية. فالمسؤولية الأساسية في القضايا المصيرية تقع على عاتق القوى السياسية وصنّاع القرار، بوصفهم الجهات التي تمتلك سلطة اتخاذ القرارات وإدارة الشأن العام. أما بقية الفاعلين في المجتمع، ومن بينهم المثقفون وأصحاب الرأي، فقد حاول كثير منهم أداء دورهم من خلال الكتابة والنقد وتقديم النصح وطرح البدائل، ضمن ما أتاحته لهم ظروفهم وإمكاناتهم. غير أن هذه الجهود لم تلقَ دائماً الاستجابة أو الاهتمام الكافيين من الجهات المعنية، التي تصرفت في أحيان كثيرة وكأنها تحتكر حق تقرير مصير المجتمع وتحديد خياراته. لذلك فإن مسؤولية القرارات المتعلقة بالحرب والسلم، وما ترتب عليها من نتائج وتداعيات، تقع بالدرجة الأولى على عاتق من امتلكوا سلطة اتخاذ القرار وتحملوا تبعاته.
لأن المسؤولية، في أي سياق سياسي أو قانوني، ليست شعوراً مجرداً فقط، بل ترتبط بالسلطة والقدرة والمشاركة المباشرة أو غير المباشرة.
فالقيادات السياسية تتحمل مسؤولية تختلف عن مسؤولية الجمهور، والمؤسسات الأمنية ليست كالمواطن العادي، ومن يمتلك المنابر الإعلامية أو القوة العسكرية أو النفوذ الاجتماعي لا يُقاس بمن كان محاصراً بالخوف أو العجز أو التهميش.
لكن في المقابل، فإن تبرئة المجتمع بالكامل ليست قراءة دقيقة أيضاً. فالمجتمعات قد تسهم أحياناً، بدرجات متفاوتة، في استمرار الأخطاء من خلال الصمت، أو التبرير، أو إعادة إنتاج الخطابات المتطرفة والانقسامات الضيقة. كما يمكنها أيضاً أن تكون جزءاً من التصحيح والمراجعة وبناء الوعي.
من هنا يصبح الحديث عن المسؤولية أكثر تعقيداً من مجرد إطلاق حكم جماعي شامل.
ثمة مسؤولية قانونية تتعلق بمن أصدر القرار أو نفّذ الانتهاك، ومسؤولية سياسية تتحملها القوى والأحزاب والسلطات، ومسؤولية أخلاقية ومجتمعية ترتبط بثقافة المجتمع ومواقفه وسلوكه العام.
إن اختزال كل ذلك بعبارة «كلنا مسؤولون» قد يبدو مريحاً لغوياً، لكنه أحياناً يظلم الضحايا، ويخفف العبء عن أصحاب القرار الحقيقيين. وفي المقابل، فإن إنكار أي دور للمجتمع يمنع أيضاً أي مراجعة نقدية ضرورية للمستقبل.
العدالة الحقيقية تبدأ عندما نُميّز بين من دفع الثمن، ومن صنع القرار، ومن امتلك القدرة على التأثير واختار أن يفعل أو أن يصمت.
وإلى مستقبل أكثر نضجاً وعدالة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…