عبد الرحمن كلو
نَشر السفير الأمريكي توم باراك[1]على منصّة X تغريدةً وَجيزةً في حجمها، لكنها كثيفةُ الدلالة في مضمونها؛ إذ تَنطوي على تَصوّرٍ متكامل لِما ينبغي أن يَقوم عليه الاستقرار في الشرق الأوسط. تَختزل التغريدة هذا التَّصور في معادلةٍ واحدة: العراق وسوريا وتركيا بوصفها «نقطة الارتكاز الاستراتيجية» التي يَدور حولها أيّ استقرار دائم في المنطقة؛ وتَوازنُ هذه الدول الثلاث يَتطلّب — في نظره — نقطةَ اتصالٍ ونفوذٍ أمريكية واحدة، «تَتجاوز الفوارق القبلية والدينية والمذهبية»، لِتُنسَج خيوط المنطقة المتباينة في «نسيجٍ واحد متّسق من النظام والمصلحة المتبادلة»[2].
والقراءة التحليلية لتغريدة باراك لا تَبدأ ممّا قاله، بل ممّا أضمره؛ فبنيةُ الخطاب تَكشف عن نفسها في حذوفها وما لم يفصح عنها صراحةً. وأوّلُ ما يَلفت النظر أن التغريدة تَتحدّث عن دولٍ بلا شعوب: تَجعل الدول الثلاث وحداتِ التحليل والاستقرار، فيما تُحيل المكوّناتِ القومية والمذهبية إلى مرتبة «فوارق» ينبغي «تَجاوزها». وهذا الترتيب يَنطوي على مُصادرةٍ مفهومية دقيقة، إذ يَفترض ضمنًا أن الدولة سابقةٌ على الشعب ومُقدَّمةٌ عليه، وأن التَّعدّد عبءٌ على الاستقرار لا أحدُ مُكوّناته.
غير أن هذا الافتراض يَقلب العلاقة السببية رأسًا على عقب. فالاضطراب المُزمن في المشرق لم يَنشأ من «الفوارق» في ذاتها، بل من العلاقة غير المحسومة بين الدول وبين الجماعات البشرية التي تَتكوّن منها؛ أيْ من بنيةٍ سياسية أُقيمت فوق الشعوب لا معها. وحين يَدعو باراك إلى تَجاوز هذه الفوارق عبر نقطة نفوذٍ خارجية واحدة، فإنه يُعيد — من حيث لا يَقصد — إنتاجَ المنطق ذاته الذي وَلَّد الأزمة: منطقُ لوزان وسايكس–بيكو، حيث رُسمت الخرائط على مقاس مصالح القوى الكبرى وتَوازناتها، لا على أساس الجغرافيا البشرية للمنطقة[3].
ومن ثَمّ تَبدو التغريدة أقربَ إلى تَمنّياتٍ مُكثّفة في قصيدة شعر منها إلى استراتيجيةٍ واقعية؛ فهي تَصف الغاية المنشودة دون أن تَملك أدوات بلوغها. وإن كانت هذه فعلًا رؤية إدارة ترامب كما يَنسبها باراك إليها، فإن مآلها المنطقي ليس الاستقرار، بل إبقاءُ المنطقة مفتوحةً على كلّ الاحتمالات: من الحروب المُتجدّدة إلى التَّقسيمات على أُسس الجغرافيا البشرية، ومن التَّدخّلات الخارجية المُتعاقبة إلى هشاشةٍ دائمة لا تَستقرّ على حال.
ولاختبار هذه الفرضية، نُفكّك التَّصور عبر مساراته الثلاثة — السوري، فالتركي، فالعراقي — قراءةً تَصاعدية تَكشف، في كلّ محطّةٍ منها، اتّساعَ الهوّة بين الرؤية المطروحة ومعطيات الواقع البنيوية، حتى تَكتمل صورةُ الخلل في الخلاصة.
أوّلًا: المسار السوري — لا استقرار خارجي من دون استقرار داخلي
لا يُمكن الحديث عن علاقاتٍ مستقرّة بين سوريا وجارَيها العراق وتركيا بمجرّد استدعاء المصالح الاقتصادية أو مشاريع الربط الإقليمي؛ فالعلاقات الاقتصادية المستقرّة ثمرةٌ لِبنيةٍ سياسية وأمنية راسخة، لا بديلٌ عنها. وجوهرُ ما تَفتقر إليه سوريا الجديدة هو هذه البنية بالذات: فهي دولةٌ لم تُنجز بعدُ احتكارها للعنف المشروع على كامل ترابها، ولم تَبلغ صيغةً وطنية مُنسجمة مع خطابها العلني بوصفها دولةً جامعة. وفي غياب هذا الأساس، يَغدو الحديث عن دورها بوصفها ركيزةَ توازنٍ إقليمي حديثًا عن سقفٍ بلا جدران.
وتَتكثّف هذه الهشاشة في ثلاثة ملفّاتٍ داخلية، يَكشف كلٌّ منها وجهًا من وجوه الخلل البنيوي، ويَستحيل القفز فوقها نحو أيّ استقرارٍ خارجي:
الساحل: أزمة التأسيس وغياب العدالة
في الساحل السوري، ما تَزال الانتهاكات والجرائم المُرتكَبة بحقّ المدنيين تُؤرّق الرأي العامّ، خاصّةً مع إخفاق الدولة في فَتح مسارٍ جدّي للعدالة الانتقالية أو محاسبة الجناة[4]. والمسألة هنا أعمق من ملفٍّ حقوقي عابر؛ فهي تَمسّ شرعية التأسيس ذاتها: إذ لا تَستطيع دولةٌ ناشئة أن تُرسي احتكارها للعنف المشروع ما لم تُواجه العنف الذي رافق نشأتها وتُخضعه للمساءلة. وهكذا تَبدو الدولة مُعلَّقةً بين الخوف من المحاسبة وضرورة الاعتراف بما جَرى، فيَبقى الساحل عُقدةً في معادلة الداخل لا يُمكن تَجاوزها بالصمت.
السويداء: حين يُستعار الأمن من الخارج
أمّا في السويداء، فالمفارقة أَشدّ حدّة؛ إذ بات جزءٌ من معادلتها الأمنية مرتبطًا بحساباتٍ إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة[5]. وهذا يَعني، بلغةٍ بنيوية، أن أمن المواطن في منطقةٍ سورية حسّاسة غَدا — ولو جزئيًا — أمنًا مُستعارًا من قوّةٍ خارجية تُعَدّ رسميًا خصمًا للدولة. ومثل هذا الترتيب لا يُنتج استقرارًا، بل يُنتج توازنًا هشًّا قابلًا للانهيار بمجرّد تَبدّل حسابات الراعي الخارجي، ويَفتح الباب أمام مخاوف جدّية من تَجدّد العنف على نطاقٍ أوسع متى تَراجعت الضمانات.
الملف الكوردي: من قضية حقوقٍ إلى مسألةٍ تقنية
وفي الجانب الكوردي، تَتّخذ الإشكالية صورتها الأكثر تعقيدًا؛ إذ يَجري عمليًا اختزال القضية الكوردية في ملفّ «قسد» والاندماج، وكأنّ جوهرها لا يَعدو توفيرَ مواقع وظيفية أو ترتيباتٍ أمنية لعناصر قسد والموالين لها[6]. وهذا الاختزال، الذي يَجري تحت ضغطٍ تركي واضح، يَنطوي على نَقلةٍ مفهومية خطيرة: تَحويلُ القضية من مسألةٍ سياسية–دستورية تَتعلّق بالحقوق والاعتراف والشراكة، إلى خلافٍ تقني–إداري بين قسد ودمشق حول آليات الدمج. وفي هذه النَّقلة يَكمن جوهر التَّمييع: فمعالجةُ العَرَض الأمني تَحلّ محلّ معالجة السبب السياسي، فتُؤجَّل القضية بدل أن تُحَلّ.
خلاصة المسار السوري
تَلتقي الملفّات الثلاثة عند خللٍ واحد: دولةٌ لم تُرسِ بعدُ احتكارها للعنف المشروع ولا صيغتها الوطنية الجامعة. فالساحل جرحُ تأسيسٍ بلا عدالة، والسويداء أمنٌ مُستعار من الخارج، والملفّ الكوردي قضيةٌ سياسية تُدفَع نحو الاختزال الأمني. وعلى هذا، فإن تَحويل سوريا إلى ركيزةٍ لتوازنٍ إقليمي قبل أن تُصبح دولةً مستقرّةً داخليًا، عادلةً مع مكوّناتها، قادرةً على معالجة ملفّاتها بمنطقٍ سياسي وطني، هو بناءٌ على أساسٍ غير مكتمل. فالاستقرار الإقليمي يَبدأ من الداخل السوري، لا من تَجاوزه.
ثانيًا: المسار التركي — لا استقرار سوري–تركي من دون معالجة البعد الكوردي
ينتقل التحليل في المسار التركي من الداخل التركي وصراعاته على السلطة — وهي ليست موضوعنا — إلى ما يَتّصل مباشرةً بالشأن السوري والقضية الكوردية، بوصفهما المُحدِّدَين الأكثر تأثيرًا في مستقبل العلاقات السورية–التركية. والملاحظة المنهجية الأولى هنا أن التغريدة تُدرج تركيا ضمن «نقطة الارتكاز» دون أن تُسائل طبيعةَ المصلحة التي تَحرِّك دورها في سوريا.
فقد حَصلت أنقرة في المرحلة الأخيرة على امتيازاتٍ سياسية واقتصادية وتجارية وازنة داخل سوريا، غير أن هذه الامتيازات لا تَنفصل عن أبعادها الأمنية والاستراتيجية. ذلك أن تركيا لا تُقارب سوريا من زاوية الاقتصاد وحده، بل من زاوية الأمن القومي كما تُعرّفه عقيدتُها الراسخة منذ عقود، وهو تعريفٌ يَجعل المسألة الكوردية في صميمه لا على هامشه. ومن ثَمّ، فإن أيّ مكسبٍ اقتصادي تركي في سوريا هو، في جوهره، أداةٌ في خدمة هدفٍ أمني–استراتيجي أبعد.
وفي ضوء ذلك، تَبدو السياسة التركية ساعيةً إلى توظيف المتغيّر السوري لإعادة بناء نفوذٍ طويل الأمد في المجال السوري، بما يَتّسق مع تَصوّراتٍ جيوسياسية تَستلهم — في بعض جوانبها — الإرث الفكري لِلميثاق الملّي[7]، أو على الأقلّ الرغبةَ في امتلاك تأثيرٍ دائم على المجال الحيوي المُحاذي لحدودها الجنوبية. وهذا البُعد التاريخي ليس موضوعًا خطابيًا، بل هو مِفتاحٌ الفهم ، لماذا تَتعامل أنقرة مع الملفّ السوري بوصفه امتدادًا لأمنها الداخلي لا مجرّد ملفّ سياسة خارجية.
لماذا يَستعصي هذا المسار على الاستقرار؟
غير أن هذا المسار لن يَستقرّ بالضرورة. فحتى لو انخرطت ما تبقى من «قسد» أو «مسد» في تفاهماتٍ مع أنقرة بإملاءات من ال PKK، أو سَهّلت بعض الترتيبات الناشئة عن مسار اتفاق بهجلي–أوجلان، لتفاهمات مستدامة مع تركيا فذلك لا يَعني سد مسار المسألة الكوردية ولا زوال الاعتراضات على الرؤية التركية. ومردّ ذلك إلى مُفارقةٍ بنيوية: القضية الكوردية أوسعُ من أيّ تنظيمٍ أو إدارةٍ أو إطار، فهي مُتجذّرة في شريحةٍ اجتماعية وسياسية واسعة يَستحيل اختزالها في طرفٍ بعينه خاصة إذا كان هذا الطرف محسوبا فريق حركة تركية قومية متطرفة . بكل الحالات التَّفاوض مع جهةٍ واحدة لا يُنتج تَسويةً تَشمل الجميع، بل سيكون ترتيبًا حزبيا أو جهويًا جزئيًا قابلًا للنقض.
ولهذا فإن الرهان على تَحويل التفاهمات الأمنية أو التنظيمية إلى حلٍّ نهائي للمسألة الكوردية رهانٌ مُبالغٌ في تقدير عوائده. فجزءٌ وازن من الحركة السياسية الكوردية لن يَرى في هذه الترتيبات معالجةً لجوهر القضية، بل إعادةَ تنظيمٍ للعلاقات الأمنية والسياسية لا تُقارب الأسئلة المؤسِّسة المتعلّقة بالهوية والحقوق والشراكة. وهنا يَتكرّر — في صيغةٍ تركية — الخللُ ذاته الذي رصدناه في المسار السوري: مقاربةُ السبب السياسي بأدوات العَرَض الأمني.
معطى الجغرافيا الذي لا يُتجاوَز
ثم إن الجغرافيا نفسها تَفرض حدودًا على أيّ هندسةٍ تَتجاهلها. فمعظم الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا يَمتدّ داخل فضاءٍ بشري كوردي متّصلٍ تاريخيًا واجتماعيًا وثقافيًا على ضفّتَي الحدود[8]. وهذا المعطى الديموغرافي يَجعل العامل الكوردي بنيةً راسخة في معادلة العلاقات السورية–التركية لا متغيّرًا راهنيًا ؛ فأيّ تَصوّرٍ يَفترض تَجاوزه أو يُنزله منزلة العامل الثانوي سيَصطدم بواقعٍ سكّاني وسياسي لا يَزول بقرار ولا بحسابات أجندات تركية.
خلاصة المسار التركي
لا يُمكن لِعلاقاتٍ سورية–تركية مستقرّة وطويلة الأمد أن تَستند إلى التفاهمات الأمنية وحدها، ولا إلى المكاسب الاقتصادية فحسب، بل تَستلزم معالجةً سياسية أعمق للمسألة الكوردية بوصفها ملفًّا مؤسِّسًا للاستقرار لا ملفًّا أمنيًا راهنًا. وكما كان الاستقرار الداخلي السوري شرطًا للعلاقات الإقليمية السليمة، فإن تَجاهل البُعد الكوردي بين دمشق وأنقرة سيُبقي علاقتهما رهينةَ التوتّر وعدم اليقين، مهما ارتفعت مستويات التنسيق السياسي والاقتصادي. فالمعالجة الأمنية تُدير الأزمة، ولا تُنهيها.
ثالثًا: المسار العراقي — الحلقة الأكثر تعقيدًا
يُمثّل المسار العراقي أصعب الحلقات الثلاث وأكثرها تَشابكًا. فالعراق لا يَتحرّك ضمن معادلةٍ سيادية صافية، بل ضمن عجزٍ سيادي بنيوي: شبكةُ نفوذٍ إيراني عميقة، وسلطةُ فصائل مسلّحة واسعة موالية لطهران، باتت تُؤثّر في القرار السيادي وتَحدّ من قدرة الدولة على صوغ علاقاتٍ إقليمية مستقلّة ومتوازنة. ومن ثَمّ، فإن إدراج العراق في معادلة توازنٍ ثلاثي يَفترض سيادةً قراريةً لا يَملكها العراق كاملةً اليوم.
السؤال الإيراني الذي لا مَهرب منه
من هذه الزاوية، يَبقى الحديث عن عراقٍ مستقرّ قادرٍ على بناء علاقاتٍ صحّية مع سوريا وتركيا سابقًا لأوانه ما لم تَتّضح مآلاتُ الصراع الإقليمي مع إيران؛ فموقع إيران في العراق ليس عاملًا خارجيًا، بل أحدُ محدّدات القرار العراقي من الداخل[9]. وعليه، فإن أيّ رؤية أمريكية لتوازنٍ ثلاثي تَتجاهل السؤال الإيراني تُغفل المتغيّر الذي يَحكم سلوك أحد أضلاع المثلّث؛ إذ سيُحدّد مستقبلُ النفوذ الإيراني شكلَ الدولة العراقية وحدودَ استقلال قرارها.
اختلاف البنية: نظامان متباينان في المرجعية
وثمّة فارقٌ بنيوي أعمق بين الحالتين العراقية والسورية يَتجاوز السياسة إلى أسس النظام ذاته. فالنظام العراقي يَقوم على معادلةٍ شيعية سياسية وثيقةِ الارتباط بالمجال المذهبي والاجتماعي، بينما تَتشكّل سوريا الجديدة — أو ما يُراد إعادة تركيبها عليه — على قاعدةٍ مختلفة سياسيًا وأيديولوجيًا. وهنا يَبرز سؤالٌ يُعجز التَّصور المطروح عن الإجابة عنه: ما الأدوات التي تَملكها واشنطن للتوفيق بين نظامَين متباينَين في المرجعية والبنية والتحالفات؟ فالمسائل العقائدية ليست تفاصيلَ قابلةً للتسوية السريعة، بل امتداداتٌ روحية ومجتمعية عميقة تُحدِّد تَصوّرات السلطة والهوية والاصطفاف الإقليمي.
إقليم كوردستان: طرفٌ دستوري لا يُتجاوَز
وفي البُعد الكوردي يَبلغ المسار العراقي ذروة حساسيته. فمن العسير تَصوّر علاقةٍ ثلاثية مستقرّة تَفترض تَهميش إقليم كوردستان أو تقليص مكتسباته؛ إذ إن الإقليم ليس هامشًا في المعادلة العراقية، بل طرفٌ دستوري وسياسي أصيل[10]، لن يُفرّط في فيدراليّته أو مكتسباته أو بُعده الوطني الكوردستاني لمصلحة ترتيبٍ إقليمي يُصاغ فوق إرادته.
ولهذا فإن التَّصور الذي يُلمّح إليه باراك لا يَتحقّق في العراق إلا بافتراض تغييرٍ جذري في البنية الدستورية، يَشمل إضعاف الفيدرالية أو إلغاءها — وهو افتراضٌ غير واقعي ومُتفجّر سياسيًا. فالمعادلة القائمة تَجعل من الإقليم طرفًا لا يُتجاوَز، لا سيّما في الملفّات الخلافية الكبرى مع بغداد: المادة 140 والمناطق المتنازَع عليها، وتعويضات حروب النظام السابق، وتسليح البيشمركة، وحصة الإقليم من الموازنة والموارد[11]. وكلُّ ملفٍّ من هذه يُمثّل عقدةً بنيوية لا تَنحلّ بخطابِ الانسجام والمصلحة المشتركة.
خلاصة المسار العراقي
يَجمع المسار العراقي عقبتَين بنيويتَين أمام تَصور باراك: عجزٌ سيادي تُكرّسه شبكةُ النفوذ الإيراني والفصائل المسلّحة، وخصوصيةٌ دستورية يُمثّلها إقليم كوردستان بوصفه طرفًا اتحاديًا لا يُتجاوَز. وأيّ توازنٍ ثلاثي يَتجاهل هذين المعطيَين يَبني على أرضٍ متحرّكة؛ إذ لا يُمكن لِبغداد أن تَلتزم بترتيبٍ إقليمي ما دامت قرارتُها مُقيّدة من الداخل، ولا أن تَفرض صيغةً على أربيل تُناقض الدستور الذي يُنظّم العلاقة بينهما.
الخلاصة: هندسةٌ أمنية وتمنيات لا خطةٌ واقعية
تَكشف القراءةُ المتراكمة للمسارات الثلاثة أن رؤية باراك — أو الرؤية التي يَنسبها إلى ترامب — تَختزل مشكلاتٍ تاريخية ودستورية ومذهبية وقومية بالغةَ التعقيد في خطابٍ إنشائي أقربَ إلى خاطرةِ تَمنٍّ سياسي[12]. فهي تَتحدّث عن نَسج خيوط المنطقة في نسيجٍ واحد من النظام والمصلحة، لكنها تَلتفّ على الأسئلة الأصعب: ماذا عن إيران؟ وماذا عن الفصائل المسلّحة؟ وماذا عن إقليم كوردستان وفيدراليّته؟ وماذا عن الانقسام المذهبي العميق في بنية الدولة العراقية، والعدالة المُعلَّقة في سوريا؟ إنّ ما تُسقطه الرؤية من حسابها ليس تفاصيلَ ثانوية، بل هو الفاعلون والملفّات المؤسِّسة التي يَدور حولها الاستقرار فعلًا.
ويَبلغ هذا الإغفال ذروته في تَغييب إيران عن المعادلة. فإيران، أيًّا كانت طبيعة نظامها، ليست عاملًا خارجيًا في الأمن الإقليمي، بل بنيةٌ راسخة في شبكة نفوذٍ تَمتدّ في العراق ولبنان واليمن وسوريا، ويَتجاوز حضورُها القوّةَ العسكرية إلى روابطَ عقائدية ومذهبية واجتماعية داخل المجتمعات نفسها. ومن ثَمّ، فإن تَصوّرًا لاستقرار المشرق عبر مثلّث العراق–سوريا–تركيا، يَستبعد إيران من صلب المعادلة، تَصوّرٌ ناقصٌ من أساسه، عاجزٌ عن إنتاج استقرارٍ حقيقي مهما اتّسقت بلاغتُه.
الخيط الجامع: تشخيصٌ ثلاثي لخللٍ واحد
تَلتقي المسارات الثلاثة عند نتيجةٍ واحدة، هي في جوهرها تَشخيصٌ مُركّب لخللٍ منهجي واحد في الرؤية:
- سوريا لا تَصلح ركيزةَ توازنٍ قبل أن تُعالج ملفّاتها الداخلية — الساحل والسويداء والكورد — بمنطقٍ وطني يُرسي احتكارها للعنف المشروع وصيغتها الجامعة.
- تركيا لا تَبني علاقةً سورية مستقرّة وهي تُصرّ على اختزال القضية الكوردية أمنيًا بدل معالجتها سياسيًا.
- العراق لا يَتحرّر من قيد إيران والفصائل، ولا يَتجاوز إقليم كوردستان بوصفه طرفًا دستوريًا راسخًا.
والقاسم المشترك بين هذه الخلاصات أن التَّصور المطروح يُعالج كلَّ حالةٍ بالأداة الخطأ: يُقدّم الاقتصاد حيث المطلوب بنيةٌ سياسية، والأمن حيث المطلوب حلٌّ دستوري، والهندسة الخارجية حيث المطلوب عقدٌ داخلي. ولذلك تَبدو تغريدة باراك أقربَ إلى هندسةٍ أمنية متمنّاة منها إلى خطّةٍ واقعية مكتملة؛ فهي تَصف الغاية دون أن تَملك الأدوات، وتُحيل الفاعلين البنيويين والملفّات المؤسِّسة إلى «فوارق» ينبغي تَجاوزها، في حين أنها هي جوهرُ المسألة لا هامشُها.
إنّ ما يُسمّيه باراك «فوارق قبلية ودينية ومذهبية ينبغي تَجاوزها» هو في حقيقته البنية العميقة التي تَتكوّن منها دول المشرق. وتَجاوزُها لا يُنتج استقرارًا، بل يُعيد إنتاج الأزمة التي وَلّدتها خرائطُ لوزان وسايكس–بيكو قبل قرن. فالاستقرار لا يُبنى بتجاوز الشعوب، بل بالاعتراف بها وبحقوقها في صيغٍ دستورية عادلة.
وما لم يَحدث هذا التَّحوّل في المُقاربة — من هندسة النظام فوق الشعوب إلى بناء العقد السياسي معها — ستَبقى مثل هذه الرؤى، مهما بَلغت بلاغتُها، حبيسةَ التَّمنّي، عاجزةً عن ملامسة جوهر ما يَجعل المشرق مُضطربًا منذ قرن: أن دولَه أُقيمت فوق شعوبها لا معها. وكلُّ استقرارٍ يَتجاهل هذه الحقيقة محكومٌ بأن يَكون هدنةً مؤقّتة بين أزمتَين، لا سلامًا يَدوم.
[1]توم باراك (Tom Barrack) رجل أعمال أمريكي من أصل لبناني، صديق مُقرّب من الرئيس دونالد ترامب، ورئيس لجنة تنصيبه الرئاسي 2017. عُيِّن سفيرًا للولايات المتحدة لدى تركيا في 2025، وتَولّى لاحقًا ملفّ سوريا ضمن مهامّ الإدارة الأمريكية في المنطقة. ويُعَدّ من أبرز المُروِّجين لمقاربةٍ اقتصادية–أمنية في معالجة ملفّات المشرق، وهي مقاربة تُغلِّب منطق «إدارة الاستقرار» على منطق «معالجة جذور الأزمات».
[2]نصّ التغريدة بالإنجليزية كما نَشرها السفير الأمريكي توم باراك على منصّة X: «في تَقليد أولئك الذين دَرسوا الشام والأناضول طويلًا — يَبقى العراق وسوريا وتركيا نقطةَ الارتكاز الاستراتيجية (strategic fulcrum) التي يَنبغي أن يَدور حولها أيّ استقرار دائم في الشرق الأوسط. وتَوازنُ هذه الدول الثلاث يَتطلّب نقطةَ اتصالٍ ونفوذٍ أمريكية واحدة ومتّسقة — تَتجاوز الفوارق القبلية أو الدينية أو المذهبية. وهذه المهمّة الحيوية، التي تَبنّاها الرئيس ترامب، تَسعى إلى مساعدة المنطقة على الاصطفاف نحو ازدهارٍ مشترك عبر نَسج خيوطها المتباينة في نسيجٍ واحد مُتّسق من النظام والمصلحة المتبادلة».
[3]لاتفاقيات لوزان (1923) وسايكس–بيكو (1916) بوصفها الإطار التأسيسي للحدود الحديثة في المشرق: رَسمت هاتان الوثيقتان خرائط الدول على أساس مصالح القوى الكبرى وتَوازناتها، لا على أساس الجغرافيا البشرية للشعوب والمكوّنات. وقد أَنتج هذا التَّأسيس دولًا تَحوي تَعدّدًا قوميًا ومذهبيًا لم تُعالَج إشكالياته البنيوية حتى اليوم، وهو ما يُفسِّر جانبًا كبيرًا من اضطرابات المنطقة المُتلاحقة. ومن المفارقات أن جانبًا من خطاب الاستقرار المعاصر يُعيد إنتاج المنطق ذاته: هندسةُ النظام من فوق، وتجاوزُ تركيبة المجتمعات بدل معالجتها.
[4]للانتهاكات في الساحل السوري بحقّ المدنيين (خاصّةً الطائفة العلوية) في آذار 2025 وما تَلاه، وفشل الدولة الانتقالية في فَتح مسار جدّي للعدالة الانتقالية ومحاسبة الجناة، انظر تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، ومنها: Human Rights Watch، و Syrians for Truth and Justice، وتقارير لجنة التحقيق الدولية المستقلّة بشأن سوريا التابعة للأمم المتحدة (2025).
[5]للوضع الأمني في السويداء (محافظة ذات أغلبية درزية) بعد أحداث تموز 2025، وارتباط جزءٍ من معادلتها الأمنية بحسابات إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة، التقارير الإخبارية والتحليلية حول التَّدخّل الإسرائيلي في جنوب سوريا، وتَصريحات المسؤولين الإسرائيليين بشأن «حماية الدروز»، والتي تَجعل أمن المنطقة مرهونًا جزئيًا بتَوازنٍ خارجي.
[6]لِمقاربة «اختزال القضية الكوردية في ملفّ قسد والاندماج»، انظر التحليلات حول مسار التَّفاوض بين قسد ودمشق بعد اتفاق 10 آذار 2025، التي تُحوِّل المسألة من قضية حقوقٍ سياسية ودستورية إلى ترتيباتٍ تقنية–أمنية حول آليات الدمج. وقد عالَج الكاتب هذه النقطة بالتفصيل في دراساته السابقة حول إعادة هندسة الـ PKK في سوريا، وحول كونفرانس قامشلو نيسان 2025.
[7]للميثاق الملّي (Misak-ı Milli) الصادر عن البرلمان العثماني عام 1920 بوصفه الإطار الفكري–الجيوسياسي الذي يَطمح إلى ضمّ مناطق من شمال سوريا والعراق (الموصل، حلب، كركوك) إلى المجال التركي، وتَوظيفه المعاصر في الخطاب التركي، انظر دراسات المؤلِّف السابقة حول المحور التركي والمشروع التوسعي. ويُلاحظ أن الإحالات المعاصرة على الميثاق الملّي تَتزايد في الخطاب الرسمي التركي كلّما تَغيَّرت موازين المنطقة.
[8]للامتداد البشري الكوردي المتّصل على جانبَي الحدود السورية–التركية: يَمتدّ الفضاء الكوردي من عفرين غربًا إلى ديريك (المالكية) شرقًا على طول الشريط الحدودي، ويَتّصل اجتماعيًا وثقافيًا وعائليًا بالكورد في جنوب تركيا (شمال كوردستان). وهذا المعطى الديموغرافي الراسخ يَجعل تَجاوز العامل الكوردي في أيّ تَصوّر للعلاقات السورية–التركية أمرًا يَصطدم بالواقع الجغرافي–البشري.
[9]للنفوذ الإيراني البنيوي في العراق عبر الفصائل المسلّحة الموالية لطهران (الحشد الشعبي) وتأثيرها في القرار السيادي العراقي، انظر التقارير المتخصّصة حول العلاقة بين الدولة العراقية والفصائل، ومنها دراسات Washington Institute و International Crisis Group حول «الدولة العميقة الموازية» في العراق.
[10]للوضع الدستوري لإقليم كوردستان العراق بوصفه إقليمًا اتحاديًا مُعترَفًا به في الدستور العراقي 2005 (المادة 117/1)، وللملفّات الخلافية الكبرى مع بغداد — المادة 140 والمناطق المتنازَع عليها، حصة الإقليم من الموازنة، تسليح البيشمركة، تعويضات حروب النظام السابق — انظر نصّ الدستور العراقي والتقارير حول العلاقة بين أربيل وبغداد.
[12]لِمَفهوم «الهندسة الأمنية المتمنّاة» في مقابل «الاستراتيجية الواقعية»: تُميّز أدبيات الدراسات الاستراتيجية بين الخطط المبنيّة على قراءةٍ واقعية لموازين القوى والعقبات البنيوية، وبين التَّصورات «الإرادوية» (voluntarist) التي تَفترض إمكانية إعادة تَشكيل الواقع بالرغبة السياسية وحدها. وتُصنَّف الرؤى التي تَتجاهل الفاعلين البنيويين (كإيران) والملفّات المؤسِّسة (كالقضية الكوردية والعدالة الانتقالية) ضمن النوع الثاني، إذ تَخلط بين وصف الغاية وامتلاك أدوات بلوغها.