بنكين محمد
في لحظة تبدو للوهلة الأولى إدارية عابرة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعيين توم براك مبعوثاً رئاسياً مشتركاً إلى كل من سوريا والعراق. غير أن القراءة المتأنية لهذا القرار تكشف أنه ليس مجرد إعادة توزيع مهام، بل انعكاس لتحول أعمق في الرؤية الأميركية تجاه الإقليم، عنوانه: إدارة الأزمات عبر هندسة النفوذ لا عبر الجيوش.
لم تعد واشنطن تنظر إلى سوريا والعراق كملفين منفصلين، بل كجغرافيا سياسية واحدة تتشابك فيها المصالح والتهديدات. من المعابر الحدودية إلى خطوط الطاقة، ومن توازنات القوى المحلية إلى امتدادات التنظيمات المتطرفة، تتداخل الملفات إلى حد يجعل الفصل بينها أقرب إلى الوهم النظري منه إلى الواقع العملي.
أحد أبرز أبعاد القرار يكمن في الاعتراف الضمني بأن الجغرافيا أقوى من الحدود المصطنعة. فالمشهد الأمني في شرق سوريا مرتبط عضوياً بالعمق العراقي، كما أن التحولات السياسية في بغداد تنعكس مباشرة على توازنات دمشق، والعكس صحيح.
خلال الأشهر الماضية، لم يكن تحرك توم براك محصوراً داخل الإطار السوري، بل امتد ليشمل شبكة علاقات إقليمية معقدة، شملت أنقرة وبغداد وأطرافاً متعددة ذات تأثير مباشر وغير مباشر. هذا السلوك الميداني سبق القرار الرسمي، وكأن واشنطن كانت تختبر عملياً نموذج “المبعوث العابر للحدود” قبل تثبيته سياسياً.
إضافة العراق إلى مهمة براك لم تأتِ من فراغ، بل في توقيت حساس تشهده الساحة العراقية. فعودة الحديث عن أدوار سياسية لشخصيات مثل نوري المالكي، وما يرافق ذلك من مخاوف متجددة بشأن توسع النفوذ الإيراني، دفع واشنطن إلى البحث عن مقاربة أكثر مرونة وسرعة.
بدلاً من تعيين مبعوث جديد يحتاج إلى وقت لفهم تعقيدات المشهد، فضّلت الإدارة الأميركية الاعتماد على شخصية موجودة بالفعل في قلب التفاعلات الإقليمية، تمتلك قنوات اتصال جاهزة مع مختلف الأطراف، وقادرة على التحرك بسرعة ضمن بيئة شديدة التقلب.
ربما الرسالة الأهم في هذا التعيين لا تتعلق بسوريا أو العراق بقدر ما تتعلق بـ تركيا. فكون براك يشغل منصب سفير الولايات المتحدة في أنقرة، ويدير في الوقت ذاته ملفين إقليميين معقدين، يعكس تحولاً واضحاً في تموضع تركيا داخل الاستراتيجية الأميركية.
لم تعد أنقرة مجرد حليف ضمن حلف حلف شمال الأطلسي، بل باتت مركز إدارة فعلي لملفات إقليمية حساسة. وهذا يشير إلى أن واشنطن تراهن على الدور التركي كوسيط وفاعل ميداني في آنٍ معاً، خصوصاً في ظل تراجع رغبتها في الانخراط العسكري المباشر.
القرار يعكس أيضاً توجهاً أميركياً متزايداً نحو ما يمكن تسميته إدارة الأزمات عن بُعد . أي الاعتماد على الحلفاء الإقليميين، وتفعيل القنوات الدبلوماسية، وتقليل الكلفة العسكرية المباشرة.
في هذا السياق، يبدو أن توم براك ليس مجرد مبعوث تقليدي، بل “منسق إقليمي” يدير شبكة معقدة من التوازنات، تمتد من أنقرة إلى دمشق وصولاً إلى بغداد. وهو نموذج أقرب إلى إدارة المصالح عبر الربط بين الملفات، بدلاً من التعامل معها كجزر منفصلة.
رغم كل ما سبق، يبقى السؤال الجوهري: هل يمكن لشخص واحد أن يدير هذا التشابك الهائل؟
فبغداد ليست دمشق، وتعقيدات الداخل العراقي تختلف جذرياً عن المشهد السوري، سواء من حيث طبيعة الفاعلين أو شكل المؤسسات أو حجم التأثير الخارجي. كما أن التوازن بين النفوذ الإيراني والتركي والأميركي داخل هذا “المثلث الساخن” يجعل أي خطوة محسوبة بدقة، لكنها محفوفة بالمخاطر.ما جرى ليس مجرد قرار إداري، بل إعلان غير مباشر عن مرحلة جديدة في إدارة الولايات المتحدة لملفات الشرق الأوسط. مرحلة تقوم على الربط بين الساحات، وتفويض الحلفاء، وتقليل الكلفة المباشرة.
لقد أصبح المثلث الممتد من أنقرة إلى دمشق فبغداد وحدة جيوسياسية واحدة في نظر واشنطن، وتوم براك هو من أوكلت إليه مهمة الإمساك بخيوطها.
غير أن نجاح هذه المقاربة سيبقى مرهوناً بقدرتها على التكيف مع واقع شديد التعقيد، حيث لا تكفي حقيبة واحدة، مهما اتسعت، لاحتواء تاريخ طويل من الصراعات والتداخلات.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل تنجح الدبلوماسية في ما عجزت عنه القوة، أم أن تعقيدات الميدان ستعيد رسم حدود الممكن من جديد؟
في لحظة تبدو للوهلة الأولى إدارية عابرة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعيين توم براك مبعوثاً رئاسياً مشتركاً إلى كل من سوريا والعراق. غير أن القراءة المتأنية لهذا القرار تكشف أنه ليس مجرد إعادة توزيع مهام، بل انعكاس لتحول أعمق في الرؤية الأميركية تجاه الإقليم، عنوانه: إدارة الأزمات عبر هندسة النفوذ لا عبر الجيوش.
لم تعد واشنطن تنظر إلى سوريا والعراق كملفين منفصلين، بل كجغرافيا سياسية واحدة تتشابك فيها المصالح والتهديدات. من المعابر الحدودية إلى خطوط الطاقة، ومن توازنات القوى المحلية إلى امتدادات التنظيمات المتطرفة، تتداخل الملفات إلى حد يجعل الفصل بينها أقرب إلى الوهم النظري منه إلى الواقع العملي.
أحد أبرز أبعاد القرار يكمن في الاعتراف الضمني بأن الجغرافيا أقوى من الحدود المصطنعة. فالمشهد الأمني في شرق سوريا مرتبط عضوياً بالعمق العراقي، كما أن التحولات السياسية في بغداد تنعكس مباشرة على توازنات دمشق، والعكس صحيح.
خلال الأشهر الماضية، لم يكن تحرك توم براك محصوراً داخل الإطار السوري، بل امتد ليشمل شبكة علاقات إقليمية معقدة، شملت أنقرة وبغداد وأطرافاً متعددة ذات تأثير مباشر وغير مباشر. هذا السلوك الميداني سبق القرار الرسمي، وكأن واشنطن كانت تختبر عملياً نموذج “المبعوث العابر للحدود” قبل تثبيته سياسياً.
إضافة العراق إلى مهمة براك لم تأتِ من فراغ، بل في توقيت حساس تشهده الساحة العراقية. فعودة الحديث عن أدوار سياسية لشخصيات مثل نوري المالكي، وما يرافق ذلك من مخاوف متجددة بشأن توسع النفوذ الإيراني، دفع واشنطن إلى البحث عن مقاربة أكثر مرونة وسرعة.
بدلاً من تعيين مبعوث جديد يحتاج إلى وقت لفهم تعقيدات المشهد، فضّلت الإدارة الأميركية الاعتماد على شخصية موجودة بالفعل في قلب التفاعلات الإقليمية، تمتلك قنوات اتصال جاهزة مع مختلف الأطراف، وقادرة على التحرك بسرعة ضمن بيئة شديدة التقلب.
ربما الرسالة الأهم في هذا التعيين لا تتعلق بسوريا أو العراق بقدر ما تتعلق بـ تركيا. فكون براك يشغل منصب سفير الولايات المتحدة في أنقرة، ويدير في الوقت ذاته ملفين إقليميين معقدين، يعكس تحولاً واضحاً في تموضع تركيا داخل الاستراتيجية الأميركية.
لم تعد أنقرة مجرد حليف ضمن حلف حلف شمال الأطلسي، بل باتت مركز إدارة فعلي لملفات إقليمية حساسة. وهذا يشير إلى أن واشنطن تراهن على الدور التركي كوسيط وفاعل ميداني في آنٍ معاً، خصوصاً في ظل تراجع رغبتها في الانخراط العسكري المباشر.
القرار يعكس أيضاً توجهاً أميركياً متزايداً نحو ما يمكن تسميته إدارة الأزمات عن بُعد . أي الاعتماد على الحلفاء الإقليميين، وتفعيل القنوات الدبلوماسية، وتقليل الكلفة العسكرية المباشرة.
في هذا السياق، يبدو أن توم براك ليس مجرد مبعوث تقليدي، بل “منسق إقليمي” يدير شبكة معقدة من التوازنات، تمتد من أنقرة إلى دمشق وصولاً إلى بغداد. وهو نموذج أقرب إلى إدارة المصالح عبر الربط بين الملفات، بدلاً من التعامل معها كجزر منفصلة.
رغم كل ما سبق، يبقى السؤال الجوهري: هل يمكن لشخص واحد أن يدير هذا التشابك الهائل؟
فبغداد ليست دمشق، وتعقيدات الداخل العراقي تختلف جذرياً عن المشهد السوري، سواء من حيث طبيعة الفاعلين أو شكل المؤسسات أو حجم التأثير الخارجي. كما أن التوازن بين النفوذ الإيراني والتركي والأميركي داخل هذا “المثلث الساخن” يجعل أي خطوة محسوبة بدقة، لكنها محفوفة بالمخاطر.ما جرى ليس مجرد قرار إداري، بل إعلان غير مباشر عن مرحلة جديدة في إدارة الولايات المتحدة لملفات الشرق الأوسط. مرحلة تقوم على الربط بين الساحات، وتفويض الحلفاء، وتقليل الكلفة المباشرة.
لقد أصبح المثلث الممتد من أنقرة إلى دمشق فبغداد وحدة جيوسياسية واحدة في نظر واشنطن، وتوم براك هو من أوكلت إليه مهمة الإمساك بخيوطها.
غير أن نجاح هذه المقاربة سيبقى مرهوناً بقدرتها على التكيف مع واقع شديد التعقيد، حيث لا تكفي حقيبة واحدة، مهما اتسعت، لاحتواء تاريخ طويل من الصراعات والتداخلات.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل تنجح الدبلوماسية في ما عجزت عنه القوة، أم أن تعقيدات الميدان ستعيد رسم حدود الممكن من جديد؟