عندما يصبح الكريم شحيحًا

 

ماجد ع محمد

للوهلة الأولى سيبدو الكلام غريبًا أو متناقضًا بالنسبة إلى كل من يُفكر هنيهةً في الصفتين المترافقتين في عنوان المقالة، باعتبار أن مَن يتحلى بصفات الشخص المعطاء، ويكون مقدِّمًا نفسه كأحد أعمدة السخاء، ومعرِّفًا ذاته بأنه من طينة المانحين، لا يجتمع عادةً على نفس السطر مع مَن كان نهمًا في التلقف، سريعًا في البذل، ومن ثم شديد الحرص، وقابضًا على فلسه، كمن يقبض بكل ما يملك من القوة على ملعقة من السمن في يده يخشى عليها من الاندلاق من بين أصابعه.

إلا أنه حين النظر إلى خواتيم بعض الطائشين في قراراتهم الارتجالية، ونهايات بعض المتهورين في تصرفاتهم الميدانية، ممن كانوا مسرفين بل ومبذرين لسنين طويلة، وكانوا يبعثرون بلا أي مسؤولية ما بين أيديهم من خيرات، ويُجازفون بأموالهم في الأيام العادية وأضعافها في المناسبات، وغالبًا ما كانت تمتد أياديهم المعتادة على الإسراف إلى ممتلكات أقرانهم، يسترخصون ذواتهم وحتى أرواح ذويهم ومعارفهم لأغراض لا تتطلب الفداء، نلاحظ بأنهم مع الأيام قد انتقلوا من ضفة الكرم إلى ضفة البخل، ومن منطقة الإفراط في الوهب والتضحية إلى منطقة حظر الخير برمته، وبتصورنا أنه ما من تفسير لذلك التقلب غير أنه منذ البدء كان التهور ديدنهم، وليس الانتماء للمسار المختار هو أصل مسلكهم، لأن المُعطي العاقل، والمحسن الحكيم، لا يتحول خلال أربعة أشهر من كائن مانح فيَّاض إلى مانع للخير العام.

إذ من إحدى العادات القميئة للشخص الذي يبذر أمواله هنا وهناك بشكل هستيري، ويصرف بلا حساب نقوده وربما نقود العائلة معه أيضًا على سهراته ومشاويره وملذاته الشخصية مع عترته، أنه بعد فوات الأوان يصبح شخصًا مقتِّرًا كريهًا، فتراه يتخلف عن أخف واجباته الأسرية، ويتملص من أداء أصغر التزاماته الاجتماعية، وقد يُعارض أيَّ عمل خيّر إن كان سيُطلب منه بضع ليرات لقاء المشاركة فيه، بل إن ذلك المبذّر في مرحلة ما من عمره، فمع تقدمه في السن أو بعد أن فقد نتيجة مغامراته الطائشة كل ما كان يمتلكه فربما غدا متطفلاً بغيضًا وشحيحًا سمجًا ينفر منه أقرب الناس إليه. هذا في الجانب الاجتماعي.

وفي الحقل السياسي يبدو أن الحال قريب منه إن لم يكن هو نفسه، بما أن علم الاجتماع السياسي هو فرع رئيسي من أفرع علم الاجتماع، ففي الجانب السياسي ثمة تنظيم سياسي هُلامي محسوب على قومية ما، ولكنه في الحقيقة ليس بتنظيم قومي، يستنزف طاقات تلك القومية لأغراض مناهضة للقومية، يُضحي بأبناء تلك القومية في كل الفصول والجبهات والبقاع، ولكن من دون أي قصد أو مصلحة قومية تخص حاضر أو مستقبل المضحى بهم، تنظيم تصرَّف حتى الأمس بمقدرات المجتمع على هواه، بعثر الرأسمال المادي والمعنوي لتلك الملة في أكثر من بقعة جغرافية، وعمل على إرهاق الأموال والأرواح من دون أن يرف له جفن.

ففي سوريا تحديدًا وبعد تخلي ذلك التنظيم العقائدي لخصمه التاريخي المفترض بكل سهولة عن مناطق مثل عفرين ورأس العين وتل أبيض، وبعد التضحية بما يقارب ثلاثمائة شخص في حي الشيخ مقصود في مدينة حلب من دون أي مقابل، وبعد تقديمه آلاف القرابين البشرية في محافظتي دير الزور والرقة لقاء بضعة آلاف من الدولارات الذاهبة لجيوب قيادة التنظيم، ومع ذلك كله فلم يعترض مؤيدو التنظيم المشار إليه وحلفاء ومناصرو ذلك الخط المقامر بممتلكات المجتمع وأرواح شباب وبنات الملة على تقديم تلك القرابين في بوادي سوريا بلا أي هدف قومي أو وطني أو سياسي.

بينما بخلاف ذلك، فنرى اليوم أتباع ذلك الخط الذي تخلى عن مئات الفتيان والفتيات في تلك القفار في لمح البصر، لمجرد أن أمرهم الزعيم “الرهينة” القابع في الجزيرة المحصّنة بضرورة الالتزام بقرارات الجهات الخارجية، وبدلاً من أن تتوجه تلك الحاضنة المسرنمة بكامل سخطها وعنفوانها إلى قيادات التنظيم المقامر، لمحاسبتهم أجمعين على ما كل ما اقترفوه بحق موارد المجتمع وأرواح أبنائه منذ عام 2014 إلى 2026، تراهم منذ الأمس وهم يتسكعون على دروب السوشال ميديا للوقوف بالضد من الأعمال الخيرية والخدمات التي تقدمها مؤسسة بارزاني الخيرية لهذه المنطقة السورية أو تلك!!!

على كل حال، لسنا هنا في وارد الدفاع عن نهج المؤسسة الخيرية أو الترويج لما تفعله، بما أن أعمالها وأفعالها المترجمة على أرض الواقع تجعلها بغنى عن التسويق لنشاطاتها، ولسنا كذلك الأمر في وارد الحديث عن الفئة البشرية الرافضة للمساعدات الإنسانية المقدمة من قِبل المؤسسة الكردية، وإنما وقفتنا هي عن ذلك الذي يفتدي الآخرين لعقد من الزمن بكل شيء مقابل أتفه الأشياء، ومن ثم وبلا استحياء أو مراجعة للذات على طول اقتراف الأخطاء والإدمان على العثرات يُعلن ندمه على كل شيء.

ولأننا حقيقةً غدونا في حيرة من أمرنا أمام وصف الحالة النفسية والعلة التي يعاني منها مَن كانوا معنيين بهذا الكلام، وبما أننا نتحدث عن موقف أنصار تنظيم يساري اللون والهوى والشعارات، فيطيب لنا الإتيان بمقتطفات من قصيدة كُتبت من قِبل الشاعر المصري الراحل أحمد فؤاد نجم في رثاء السكرتير الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي الفيتنامي الذي أصبح فيما بعد رئيسًا لجمهورية فيتنام الشمالية هو تشي منه، وذلك كتعبير عن تعجبنا من موقف هؤلاء، كما تعجب الشاعر وقتها، حيث يقول:

يا دي العجب يا رجب

يا مرتب الحكايات

اسمع وشوف واندهش

واكتبها في الكتبات

عسى الكلام ينقري

لو قلبوا الصفحات

خلي الشعوب والدول

تتعلم البطولات

الحزن طول عمرنا

له من حياتنا حياة

نقضيها في النهنهة

ونضيع الأوقات

نبكي على اللي مضى

ونعيش مع اللي فات

شوف العجب يا رجب

واعجب من الروايات.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…