إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى – الحلقة الثالثة عشرة

د. محمود عباس

الدبلوماسية الكوردية الجديدة.

لم تعد القضية الكوردية اليوم تحتاج فقط إلى قوة تحميها، ولا إلى خطاب يشرح عدالتها، بل تحتاج أيضًا إلى دبلوماسية جديدة تعرف كيف تنقلها من موقع المظلومية المزمنة إلى موقع الفاعل القادر على بناء العلاقات، وقراءة المصالح، والتعامل مع العالم كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.

فأحد أعمق أوجه الضعف في التاريخ السياسي الكوردي لم يكن فقط غياب الدولة، بل بقاء الحضور الكوردي في المجال الدولي، في كثير من الأحيان، رهين اللحظة الإقليمية أو التحالف المؤقت أو الوساطة الحزبية المحدودة. لقد حضر الكورد مرارًا في حسابات القوى الكبرى، لكن هذا الحضور لم يتحول، بالقدر الكافي، إلى دبلوماسية مستقرة ذات رؤية بعيدة المدى، بل بقي غالبًا مرتبطًا بالحرب، أو بالأزمة، أو بالحاجة الظرفية لهذا الطرف الدولي أو ذاك.

ومن هنا، فإن الحاجة إلى دبلوماسية كوردية جديدة لم تعد مسألة ثانوية، بل أصبحت جزءًا من صلب إعادة تعريف النضال الكوردي نفسه. فالعالم لا يُدار فقط بالجيوش، ولا تُصاغ فيه التوازنات فقط داخل الحدود الوطنية للدول، بل عبر شبكات واسعة من العلاقات السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والأكاديمية، والإعلامية، والمؤسساتية. ومن لا يمتلك القدرة على الدخول إلى هذه الشبكات، يبقى، مهما كانت قضيته عادلة، أقل تأثيرًا في تشكيل موقعه داخل النظام الدولي.

وبالنسبة للشعب الكوردي، فإن هذا التحدي أشد تعقيدًا، لأن الكورد لم يمتلكوا تاريخيًا دولة مستقلة تمثلهم في النظام الدولي، ولم يملكوا جهازًا دبلوماسيًا موحدًا يتحدث باسمهم ويصوغ مصالحهم على المدى الطويل. ولهذا بقيت الدبلوماسية الكوردية، في معظم مراحلها، خليطًا من المبادرات الفردية، والعلاقات الحزبية، والرهانات على القوى الكبرى، والتحركات التي تفرضها الحاجة لا الرؤية.

غير أن العالم المعاصر فتح، في الوقت نفسه، أبوابًا جديدة لم تكن متاحة سابقًا. فالدبلوماسية لم تعد حكرًا على الدول بالمعنى القديم، بل أصبحت أكثر انفتاحًا على أدوار الفاعلين غير الدولتيين: الإدارات المحلية، والمؤسسات المدنية، ومراكز الأبحاث، والجاليات، والجامعات، والإعلام، والشبكات الاقتصادية والثقافية. وهذا يعني أن الحركة الكوردستانية تستطيع، إذا أحسنت التفكير، أن تبني شكلًا جديدًا من الحضور الخارجي، لا يعتمد فقط على العلاقات الرسمية أو على التحالفات العسكرية المؤقتة.

فالدبلوماسية الحديثة لم تعد مجرد لقاءات سياسية ورسائل رسمية، بل أصبحت شبكة تأثير متعددة المستويات. هناك دبلوماسية سياسية، نعم، لكن هناك أيضًا دبلوماسية أكاديمية، ودبلوماسية إعلامية، ودبلوماسية اقتصادية، ودبلوماسية مجتمعية، ودبلوماسية جاليات. والقضية التي تفهم هذه المستويات وتتحرك داخلها بذكاء، تكون أقدر على تثبيت مكانتها من القضية التي تظل محصورة في قنوات ضيقة وموسمية.

ومن هنا، فإن الدبلوماسية الكوردية الجديدة يجب أن تُبنى على أكثر من مستوى في آنٍ واحد. فهي تحتاج، أولًا، إلى علاقات سياسية هادئة وواقعية مع الحكومات والقوى المؤثرة، لكنّها تحتاج أيضًا، وبالقدر نفسه، إلى بناء شبكة ممتدة مع الجامعات، ومراكز الدراسات، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الحقوقية، والفاعلين الاقتصاديين والثقافيين في العالم. فهذه كلها باتت تشارك، بدرجات مختلفة، في تشكيل القرار الدولي، أو في صناعة المناخ الذي يتحرك داخله هذا القرار.

كما أن الجاليات الكوردية المنتشرة في أوروبا وأمريكا تمثل موردًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، لم يُنظَّم بعد على الصورة التي تليق بحجم الإمكانات. فهذه الجاليات ليست مجرد امتداد اجتماعي، بل يمكن أن تتحول إلى إحدى أهم أدوات الدبلوماسية الكوردية الناعمة، بما تملكه من حضور اجتماعي، وخبرات علمية، وعلاقات مهنية، وإمكانات ثقافية وإعلامية. لكن ذلك يتطلب رؤية قادرة على إخراج هذا الدور من التشتت والمبادرة الفردية إلى مستوى العمل المؤسسي المنظم.

وفي غربي كوردستان، تبدو الحاجة إلى هذه الدبلوماسية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالتجربة هناك لم تعد تستطيع الاتكاء فقط على القوة العسكرية أو على التحالفات المؤقتة التي فرضتها الحرب ضد داعش. لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن التحالفات الدولية، مهما بدت متينة، تبقى محكومة بالمصالح المتغيرة، وأن المجتمع الذي لا يبني لنفسه شبكة أعمق من العلاقات والتمثيل والفهم الدولي، يبقى معرضًا للتراجع كلما تبدلت أولويات القوى الكبرى.

ولهذا، فإن أي مشروع سياسي كوردي في سوريا يحتاج اليوم إلى دبلوماسية أكثر نضجًا وهدوءًا وواقعية. دبلوماسية لا تقوم على الخطاب الانفعالي، ولا على المبالغة في الرهان على الخارج، ولا على تقديم الذات بوصفها مجرد ضحية، بل على القدرة على إظهار الكورد بوصفهم عنصر استقرار، وشريكًا في إدارة التعدد، وطرفًا قادرًا على تقديم مساهمة فعلية في مستقبل سوريا والمنطقة.

وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية: العالم لا يتعامل مع القضايا السياسية من زاوية العدالة التاريخية وحدها، بل من زاوية المصالح والاستقرار والجدوى السياسية. وهذا لا يعني التخلي عن لغة الحق، بل يعني أن تقديم القضية الكوردية يجب أن يتم بطريقة تُظهر كيف يمكن لها أن تكون جزءًا من حلول المنطقة، لا مجرد ملف إضافي في أزماتها. فكلما نجح الكورد في تقديم أنفسهم كنموذج للاستقرار النسبي، والتعددية، والإدارة الرشيدة، والقدرة على التعايش، زادت فرصهم في الحصول على تفهم أوسع، وربما على دعم أكثر رسوخًا.

لكن هذا كله لا يتعلق بالخارج وحده. فالدبلوماسية الكوردية الجديدة ترتبط أيضًا بالنموذج الذي يقدمه الكورد عن أنفسهم. فكلما كان هذا النموذج أكثر وضوحًا، وأكثر عقلانية، وأكثر استقرارًا مؤسساتيًا، زادت قابلية العالم للتفاعل معه. أما إذا بقي الحضور الكوردي محكومًا بالتناقضات، والانقسامات، وضعف التنسيق، والاعتماد المفرط على الظرف العسكري، فإن أي دبلوماسية ستبقى محدودة الأثر مهما تعددت الزيارات والاتصالات.

ولهذا، فإن إعادة تعريف الدبلوماسية الكوردية ينبغي أن تبدأ من فهم بسيط لكنه حاسم: الدبلوماسية ليست فن طلب الدعم فقط، بل فن تقديم الذات بصورة تجعل الآخرين يرون في وجودك مصلحة مشتركة، لا عبئًا إضافيًا. وهي ليست مجرد أبواب تُطرق عند الأزمات، بل بناء طويل الأمد للعلاقات والثقة والسمعة والحضور.

وبالنسبة للشعب الكوردي، فإن هذا التحول قد يكون من أهم ما يحتاجه في المرحلة المقبلة. فالقضايا التي تمتلك أصدقاء حقيقيين، ومؤسسات حاضنة، وصورة مفهومة، وشبكة مصالح ممتدة، تكون أقدر على البقاء من القضايا التي تظهر في العالم فقط حين تنفجر الأزمات أو تشتعل الجبهات.

من هنا، فإن الدبلوماسية الكوردية الجديدة ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة تاريخية. وهي ليست بديلًا عن النضال، بل إحدى أكثر أدواته حسمًا في عصر التحولات الكبرى. فالنضال الذي لا يعرف كيف يحجز لنفسه مكانًا في الوعي الدولي، وكيف يبني صداقات نافعة، وكيف يتكلم بلغة المصالح إلى جانب لغة العدالة، يبقى معرضًا لأن يُترك وحيدًا كلما تغيّرت الحسابات.

ولهذا، فإن أحد أهم الأسئلة التي ينبغي أن يطرحها الكورد اليوم ليس فقط: من يدعمنا؟ بل: كيف نبني نحن دبلوماسيتنا الخاصة؟ كيف نحول الجاليات إلى جسور؟ والمؤسسات إلى أدوات تأثير؟ والخطاب إلى عنصر جذب؟ والتجربة الكوردية إلى نموذج يراه العالم جزءًا من الاستقرار لا مجرد قضية مؤجلة؟

ففي عالم لا يكفي فيه أن تكون على حق، قد تصبح الدبلوماسية الذكية أحد أهم شروط الوصول إلى هذا الحق.

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

11/3/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي في السياسة، ليست كل المعارك تُحسم بالسلاح، فهناك انتصارات تُولد من كلمة ذكية، وموقف هادئ، وحوار يُدار بحكمة. وهنا تظهر الدبلوماسية بوصفها واحدة من أقوى أدوات التأثير، لأنها قادرة على تحقيق ما تعجز عنه القوة التقليدية مهما بلغت. الدبلوماسية ليست مجرد لقاءات رسمية أو بيانات سياسية، بل هي فن إدارة المصالح، وبناء العلاقات، واحتواء الأزمات قبل انفجارها. إنها…

عبد الجابر حبيب لم يعد الفيسبوك مساحة للتواصل الاجتماعي، وتبادل الآراء فقط، لأنه بكلِّ أسف شديد قد تحوّل في كثيرٍ من الأحيان إلى ساحة مفتوحة للصراعات السياسية والإيديولوجية، يزرع فيها كل طرف بذور الحقد، والكراهية ضد الطرف الآخر. وأصبح بعض الناس يتعاملون مع السياسة بوصفها معركةً شخصية، لا تقبل النقاش، ولا تحتمل الاختلاف، حتى غدا كثيرون أشبه بمحامي دفاع دائمين…

في 29 أيار 2026، ونحن نحيي الذكرى الحادية والعشرين لانطلاقة تيار مستقبل كردستان سوريا، نقف مرة أخرى عند لحظة التأسيس التي لم تكن عبارة عن حدث تنظيمي فقط ، بل تجسيداً حقيقياً لإرادة سياسية وُلدت من رحم المعاناة الكردية ومن الإيمان العميق بأن سوريا الجديدة لن تبنى إلا على قاعدة الديمقراطية والتعددية والاعتراف المتساوي بحقوق جميع مكوناتها. لقد أدرك مؤسسو…

ماهين شيخاني مقدمة: الإعلام رسالة… لا منصة للانتقام لطالما كان الإعلام الكوردي واحداً من أهم أدوات النضال، منذ صحيفة “كوردستان” عام 1898، وصولاً إلى آلاف المنصات الإلكترونية اليوم. لكن التحول الرقمي، رغم إيجابياته، فتح الباب أمام ظاهرة خطيرة: تسلل الانتهازيين والمتسلقين إلى المشهد الإعلامي، ليس لخدمة القضية، بل لتصفية حسابات شخصية وتشرعن مواقف لا أخلاقية ولا نظامية.   هذا المقال…