هژار أمين
يُشكل انسحاب حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) ومن يدور في فلكه من حلفاء ومحسوبين، من العملية الانتخابية المتعلقة بمجلس الشعب السوري، لحظةً كاشفةً بامتياز، لا يمكن اختزال هذا الموقف في “مقاطعة انتخابية” وهو التوصيف الذي يروّج له الحزب بل ينبغي تشريحه بصفته إخفاقاً بنيوياً في مواجهة استحقاق جماهيري مباشر، إنه ليس انسحاباً تكتيكياً، بل هو انكفاء اضطراري فرضه العجز عن مواجهة القاعدة الكوردية في معقلَي كوباني والحسكة كأمثلة وحتى من ديرك الى عفرين، حيث أخفق الحزب حتى في تأمين الحد الأدنى من هيئة ناخبة قادرة على الصمود أمام الاختبار الديمقراطي، إنها ليست مقاطعة، بل هزيمة مسبقة توارى خلفها الحزب هرباً من مشهد انزياح الشارع الكوردي عنه.
وهنا، ينبغي التحلي بالدقة التحليلية، لا ننكر وجود شعبية متبقية للحزب، وهي حقيقة لا يرقى إليها الشك، لكن تلك الشعبية تحولت تدريجياً من “ثقة شعبوية” طاغية، تستند إلى خطاب أيديولوجي أحادي، إلى حالة من الترقب المشوب بالريبة، ما فقده الحزب ليس أنصاره التنظيميين، بل ثقة الجمهور الواسع العابر للانتماءات الضيقة، ذلك الجمهور الذي بات يقرأ إخفاقات المشروع لا من خلال شعاراته، بل من خلال مخرجاته الملموسة على الأرض.
منهجياً، يمكن تتبّع منحنى التراجع عبر ثلاث محطات اتفاقية فارقة، قبيل اتفاق 10 آذار، كانت منطقة شمال شرق سوريا تُدار وفق نموذج “الإدارة الذاتية” القائم على احتكار القرار في غرف مغلقة، دون مساءلة شعبية حقيقية. بعد الاتفاق، دخلت المنطقة في مرحلة انتقالية غامضة، جرى خلالها اختبار قدرة الحزب على إدارة التفاوض مع الحكومة المركزية، لكن الخلل القاتل تجلّى في اتفاقيتي 18 و29 كانون الثاني، حيث تابع المراقبون عن كثب كيف تحولت هذه الاتفاقيات من كونها إطاراً لدمج مؤسساتي متكافئ، إلى عملية تفاوض حصرية، قادها الحزب منفرداً، مستبعداً مكونات كوردية أساسية، وفي مقدمتها بيشمركة روج، والمجلس الوطني الكوردي وحتى احزاب الوحدة الوطنية والأحزاب خارج الأطر المذكورة، التي جرى تحييدها بشكل ممنهج عن أي مسار يتعلق بدمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري والمؤسسات المدنية وغيرها.
هذا التفرد لم يقتصر على الملف العسكري، فالتعيينات الأخيرة في وزارة الدفاع وغيرها من الوزارات، وكذلك عملية دمج الموظفين في مؤسسات الدولة السورية، أتت لتكرّس الاحتكار نفسه، لقد كانت العملية حكراً على موظفي الإدارة الذاتية، وهو ما كشف عن مأزق هيكلي، آلاف الموظفين غير حاملين لشهادات عليا أو حتى جامعية، ما جعلهم عاجزين عن شغل المناصب التي تتطلب مؤهلات أكاديمية، فخسرت الإدارة الذاتية آلاف المقاعد والمناصب في عملية الدمج، ليس لغياب الكفاءات الكوردية، بل لأن الحزب أصر على تقديم كوادره الحزبية على أصحاب الشهادات من المستقلين والكفاءات الوطنية الواسعة، الذين كان يمكن الاستعانة بهم لتجنيب المنطقة هذه الخسارة الفادحة.د، خلال الأشهر الخمسة التالية لاتفاق 10 آذار من عام 2026، تكشفت هذه الإخفاقات المتتالية، مؤكدةً أن المشكلة ليست في غياب الفرص، بل في عقلية الإقصاء والتفرد التي تنتج الفشل حتى من رحم الانتصارات الظرفية.
إن هذه الإخفاقات، من الانتخابات إلى دمج المؤسسات، ليست حوادث منعزلة، بل هي تجليات لأزمة شرعية عميقة، لقد آن الأوان لحزب الاتحاد الديمقراطي أن يقر، بصراحة ومرارة، بفشل سياساته الداخلية والخارجية، وأن يقدم مراجعة نقدية جذرية تتجاوز منطق تبرير الأخطاء أو إلقائها على الغير، إن العودة إلى “الخط الكوردستاني” ليست شعاراً عاطفياً، بل هي ضرورة استراتيجية تفرضها اللحظة، هذا الخط لا يعني التبعية، بل يعني الانخراط في إطار وطني كوردي جامع، تذوب فيه المصالح الفئوية الضيقة لصالح هدف مشترك، ضمان كرامة المكون الكوردي، وتحصين حقوقه في سوريا المستقبل، وتوحيد بوصلته نحو تطلعات شعبه المشروعة، لا تبديدها في متاهات التفرد وتضخيم الذات التنظيمية على حساب القضية الجامعة، وهناك العديد من التجارب السابقة التي من الممكن البناء عليها (هولير1، هولير2، دهوك، الحسكة، قامشلو، وأخيراً كونفراس وحدة الصف الكوردي في قامشلو) ولكن وفق معطيات المرحلة الحالية، موازين القوى والتغيرات الجذرية التي حصلت مؤخراً.