الانتحار الكوردي البطيء غربي كوردستان على حافة الإلغاء (2/3)

د. محمود عباس

القادم أظلم، ليس لأن الخصوم أقوى فقط، بل لأن الأرضية التي تسمح لهم بالتمدد صارت جاهزة. فالإدماج الذي يُسوَّق اليوم بوصفه تسوية سياسية لن يحتاج إلى سنوات كي يكشف حقيقته؛ سيذوب مع الشهور، وعلى مراحل مدروسة. الحكومة السورية الانتقالية، والقوى الإقليمية الداعمة لها، لن تكتفي بتهميش المحافظ الكوردي الوحيد، بل ستتجه لاحقًا إلى الألوية العسكرية الثلاثة، وإلى تفكيك بنية قسد، ثم إلى تقليص العنصر الكوردي داخل قوى الأمن والإدارات، ليصبح حضوره على مقاس المقاعد الأربعة التي مُنحت للمجلس الوطني الكوردي. وهكذا ستتحول القضية، التي كان يفترض أن تكون قضية شعب وجغرافيا وحقوق قومية، إلى حصة رمزية بائسة داخل نظام سياسي يعرف كيف يستخدم الديمقراطية كسيف لا كضمانة.

لقد تحايلتم على مطلب الفيدرالية واللامركزية. نظريًا كان الحديث عنهما حاضرًا، أما عمليًا فقد جرى تفريغهما من مضمونهما. قُسِّمت منطقة الإدارة الذاتية بعشوائية، ولم تُحدَّد جغرافية غربي كوردستان بوضوح عندما جرى الحديث عن خمس مناطق في العقد الاجتماعي. وهذه ليست تفصيلاً إداريًا عابرًا، بل خطيئة سياسية كبرى. فالشعوب التي طبّقت نظريات عابرة للقوميات، من الأمة الإسلامية إلى الاتحاد السوفيتي، كانت تستند في العمق إلى أمة مركزية تملك اللغة والسلطة والهيمنة والقرار. أما أن يتخلى شعب صغير ومهدد عن تعريف جغرافيته القومية باسم نظرية فضفاضة، فذلك ليس أممية ولا ديمقراطية، بل انتحار سياسي مؤجل.

تهاونكم في عدم حل قضية الغمر، وغضّ الطرف عن عمليات الاستيلاء على أراضي الشعب الكوردي، وعدم إعادة النظر مبكرًا في ملف الأراضي التي استُثمرت أو أُديرت لمدة سنتين تقريبا في ظل الإدارة الذاتية، ومن بينها أراضي قريتنا نصران، وأعيدت إلى الغمريين ثانية، كل ذلك لم يكن خطأ إداريًا عابرًا، بل كان خللًا سياسيًا عميقًا تراكمت نتائجه عامًا بعد عام. ففي السنوات الأولى كان بالإمكان فتح هذا الملف بشجاعة، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، ووضع حدٍّ قانوني وأخلاقي لواحدة من أخطر أدوات التغيير الديمغرافي التي استخدمتها السلطة البعثية ضد غربي كوردستان.

لكن التردد، والمساومات، والخوف من الاصطدام بهذا الملف، أوصلكم وأوصل المنطقة إلى لحظة رمزية خطيرة: أن يدخل ممثل عن الغمر إلى البرلمان باسم غربي كوردستان. وهذه ليست مسألة تمثيل فردي عابر، بل إشارة سياسية واضحة إلى أن قضية الغمر قد لا تُحل، بل قد تُعاد صياغتها تحت قبة البرلمان لصالح تشريع الأمر الواقع، وتثبيت ملكية الغمر، ومنح الاستيلاء القديم غطاءً قانونيًا جديدًا. وهكذا يتحول ما بدأ كمشروع بعثي لتغيير ديمغرافية الأرض الكوردية إلى واقع دستوري أو برلماني، إذا لم يُواجه بموقف كوردي موحّد وصلب.

وعلى المجلس الوطني الكوردي أن يدرك بدوره أنه همّش القضية الكوردية في الواقع العملي بسوية لا تقل عما فعلته الإدارة الذاتية، بل كان تهميشه في بعض الوجوه أشد قسوة، لأنه جاء باسم المعارضة والتمثيل والشرعية. لقد جعلت المصالح الحزبية النظرية والواقع على طرفي نقيض. تراجع المجلس عن مطلب الفيدرالية حين كان داخل الائتلاف عن طريق التلاعب بالمصطلحات، وأحياناً في حقوق المواطنة، وتحرك مع المعارضة السورية تابعًا أكثر مما كان شريكًا، وحرص على بقاء اسمه وكراسيه أكثر مما حرص على بناء خطاب قومي صلب. وساهم بسذاجته السياسية، التي لم تتغير طوال عقدين، في تعميق الشرخ داخل الحراك الكوردي، حتى انتهى الأمر إلى تقزيم القضية الكوردية في أربعة مقاعد برلمانية.

فما الذي يمكن أن يحصل عليه الشعب الكوردي من هذا التمثيل البائس؟ اصرخوا تحت قبة البرلمان قدر ما شئتم، ولا شك أنكم ستطالبون بتثبيت حقوق الشعب الكوردي في الدستور، وباعتماد اللغة الكوردية لغةً رسمية في المناطق الكوردية، وربما ستطالبون أيضًا بإعادة النظر في القوانين والمراسيم الجائرة التي فُرضت في عهد البعث، وفي مقدمتها قضية الغمر والاستيلاء على الأراضي الكوردية. لكن السؤال الجوهري يبقى، بأي قوة سياسية ستفرضون هذه المطالب؟ وبأي ضمانة دستورية ستمنعون تحويلها إلى شعارات فارغة؟ وبأي جرأة ستطالبون بحقوق الشعب الكوردي من دون تحديد جغرافية غربي كوردستان بوصفها قاعدة الحق، لا هامشًا إداريًا قابلًا للتذويب؟

بغضّ النظر عما جرى خلف الكواليس، سواء بين طرفي الاستقطاب، أو بين أطراف الحراك الكوردستاني والحكومة السورية الانتقالية، أو تحت ضغط الإملاءات التركية، فإن أربعة أصوات، أو حتى ثمانية، في مواجهة أكثرية برلمانية ساحقة من مئتين وعشرة أعضاء، جلّهم أسرى عقلية عروبية أو مركزية أو دينية سياسية، لن تستطيع حماية قضية قومية بحجم القضية الكوردية.

فالرضوخ لديمقراطية عددية بلا ضمانات قومية ودستورية وجغرافية لن يكون ضمانة لحقوق الكورد، بل قد يتحول إلى سيف مشرعن مسلط على رقابهم. وهذه الضمانات ستكون بعيدة المنال وهم على خلاف دائم، يتسابقون للحصول على حوار مع حكومة دمشق. في مثل هذه المعادلة، لن يُعامل الشعب الكوردي كشعب صاحب قضية وتاريخ وجغرافيا وحقوق، بل كمجموعة مواطنين مبعثرين على قارعة البرلمان، يُسمح لهم بالكلام، لكن لا يُسمح لهم بتغيير جوهر القرار.

وغدًا، تحت سقف هذه الديمقراطية الشكلية ذاتها، قد يُفرض تدريس اللغة الكوردية بحصتين اختياريتين لا قيمة عملية لهما، فتتحول اللغة، من حق قومي أصيل، إلى مادة هامشية لا ترسّب ولا تؤسس جيلًا ولا تحمي هوية. وعندها ستصبح الدراسة باللغة الكوردية في غربي كوردستان خبرًا من الماضي، لا لأن الشعب تخلّى عن لغته، بل لأن ممثليه عجزوا عن ربط اللغة بالجغرافيا والحق السياسي. فإذا كانت اللغة الإنكليزية، رغم إلزاميتها، لم تُتقن في كثير من مدارسنا، فكيف سيكون حال لغة اختيارية غير ملزمة وغير مرسِّبة، حتى في قرى ذات أغلبية كوردية؟ تلك ليست سياسة تعليمية، بل بداية دفنٍ ناعم للغة تحت غطاء القانون.

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

24/5/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي أصبحت القضية الكردية في سوريا اختباراً حقيقياً لفكرة الدولة السورية الحديثة، ليس على المستوى الوطني والإقليمي فحسب، بل حتى على المستوى الدولي: هل يمكن بناء وطن مستقر يقوم على الاعتراف بالتنوع، أم أن الإنكار سيبقى أساس العلاقة بين الدولة ومكوناتها؟ على مدى عقود، عانى الشعب الكردي في سوريا من سياسات التهميش والتمييز، بدءاً من الإحصاء الاستثنائي عام…

هژار أمين يُشكل انسحاب حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) ومن يدور في فلكه من حلفاء ومحسوبين، من العملية الانتخابية المتعلقة بمجلس الشعب السوري، لحظةً كاشفةً بامتياز، لا يمكن اختزال هذا الموقف في “مقاطعة انتخابية” وهو التوصيف الذي يروّج له الحزب بل ينبغي تشريحه بصفته إخفاقاً بنيوياً في مواجهة استحقاق جماهيري مباشر، إنه ليس انسحاباً تكتيكياً، بل هو انكفاء اضطراري فرضه العجز…

عبدالجبار شاهين في سياقٍ طويل من التضليل المنهجي الذي مارسته المنظومة الآبوجية بوصفها بنية أيديولوجية مغلقة، يمكن القول إن احتكارها للإعلام الحزبي الموجَّه لم يكن يوماً فعلاً عفوياً أو نتاجَ قناعة فكرية حرة، بل كان أداة مدروسة للسيطرة على العواطف قبل العقول، عبر بثٍ متواصل للأكاذيب والاضاليل، يُعاد تدويرها بمهارة دعائية تهدف إلى دفع الشباب والشابات نحو مسارات محددة سلفاً،…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* بينما يترقب العالم مصير “الحرب الخارجية مع النظام الإيراني” أو استمرار “وقف إطلاق النار”، تواصل المقاومة الإيرانية تقدمها وتنفيذ استراتيجية إسقاط النظام الديني الحاكم، إلى جانب توسيع وتعميق أنشطة قواتها داخل إيران. وذلك لأن المقاومة الإيرانية تؤمن بأن الحل الحقيقي للأزمة الإيرانية لا يكمن في استرضاء الدكتاتورية ولا في شن حرب خارجية ضد هذا النظام. الحل الثالث،…