حسين جلبيلكن الحقيقة هي أنهُ و منذُ بدء الثورة السورية، إن لم يكُن قبلها، لم تعد الحكومة السورية حكومة للسوريين، فهي لم تكن يوماً ممثلة للشعب السوري الذي لم ينتخبها، لذلك أمتنع المواطنون عن التوجه إليها بمطالبهم الحياتية البسيطة فما بالنا بتقديم شكاوي إليها من جرائم تقوم هي نفسها بأرتكابها على مدار الساعة بحقهم، و هكذا، و بسبب تلك الجرائم الوحشية الفريدة من نوعها، فَقد الناس رجائهم في النظام ففقد شرعيته و سقط نهائياً من عقولهم منذُ أن أطلق أول رصاصة على السوريين العُزل، فأخذوا يسعون للخلاص منه إلى الحد الذي دفعهم للثورة عليه، و أنشاء أجسام مُعارضة بديلة عنه، و المُطالبة بتدخل أجنبي حتى بشكله العسكري في ذلك السبيل.
الغريب حقاً هو مُطالبة مُصدري البيان (الحكومة السورية بالعمل سريعا من أجل الكشف عن الذين قاموا بهذا العمل الإجرامي الآثم..)، فمتى كانت مُطالبة القاتل بالتحرك للكشف عن الأدلة على أرتكابه الجريمة صحيحة و لا تفتقد إلى المنطق؟ ألا يرى الجميع الفبركات التي يسوقها النظام لتبرئة نفسهُ و ألقاء عبء الجرائم التي يقترفها على الضحايا أنفسهم؟ ثم متى تحرك النظام طوال الفترة الماضية فشكل لجاناً للتحقيق في الجرائم الكثيرة التي حصلت و التي من الواضح أرتكابها لها؟ و متى أوصلت وسائل التحقيق التي أتبعها إلى الحقيقة؟ ثم لماذا هذه الثقة المُفرطة في النظام و التأكد بأن تحركه سيكشف من يقف وراء الجريمة؟ ألا يشكل ذلك تبرئة أفتراضية لقاتل، على الأقل حتى قيامه هو نفسه بتقديم أدلة على أرتكاب للجريمة، و بالتالي تعاملاً غير حيادي مع النظام مع ثبوت أرتكابه لكل الجرائم و المجازر و التي لا تحتاج للتحقيق فيها؟
إلا أن الأغرب من ذلك كله و الأكثر دعوةً للأستهجان هو الثقة التي تبديها تلك المنظمات السبعة في عدالة النظام و نزاهة قضائه من خلال دعوتها إياه إلى أجراء مُحاكمة عادلة للقتلة بعد القبض عليهم حسب الأصول لينالوا جزائهم العادل جراء ما أقترفته أياديهم، بحيثُ ينطبق على تلك الدعوة الثنائية التي أشار اليها الشاعر عن (الخصمُ و الحكمُ).
يفهم المرء من البيان العتيد إذاً بأننا أمام دولة ديمقراطية تحترم حقوق الأنسان، و هناك فصل بين السلطات الثلاثة فيها بحيثُ تُمارس كل سلطة منها الدور المنوط بها وفق الدستور الذي وافق عليه الشعب و دون أي تعدي على دور الأُخرى، و ليس أمام عصابة من القتلة أبسط جرائمها هي أطلاق النار العشوائي يُسقط بسببه ضحايا ليس لإنسانيتهم أي اعتبار.
الحقيقة هي أن المُفترض في حالات وقوع جرائم مثل تلك التي أستدعت صدور البيان الحقوقي أن تكون مُنظمات حقوق الأنسان أكثر حذراً في التعامل مع الجهة التي قد توجه اليها سهام الشك فتجعل بينهما مسافةً، و أن تقوم هي نفسها، و في حال ما إذا كانت الجريمة غامضة، بالتحقيق فيها أو الدعوة إلى تشكيل لجنة تحقيق مُحايدة وفق آليات تحددها المعايير الدولية، بحيثُ لا يُستبعد أحد من الأتهام و التحقيق و خاصة النظام الذي أرتكب منذ بدء الثورة السورية من الجرائم ما تعجز سجلات العالم من أحتوائه.
jelebi@hotmail.de






