بين “روج آفا كردستان” و”شمال وشرق سوريا”: هل تغيّر الخطاب أم تغيّرت الحقيقة؟

شادي حاجي 
أثار تصريح سيبان حمو، حين قال إن “لا توجد مناطق كردية في سوريا، فنحن شعوب متداخلة مع بعضها البعض”، جدلاً واسعاً بين الأوساط الكردية، ليس لأن فكرة التعايش بين الشعوب مرفوضة، بل لأن هذا الطرح يتناقض مع الخطاب السياسي الذي تبنّته الحركة السياسية الكردية بمختلف أحزابها في سوريا والحزب الذي ينتمي إليه سيبان حمو نفسه طوال سنوات.
فإذا لم تكن هناك مناطق كردية في سوريا، فلماذا جرى في البداية استخدام مصطلح “روج آفا كردستان”؟ ولماذا اقتصر مشروع الكانتونات الأولى على الجزيرة وكوباني وعفرين، وهي المناطق الكردية تاريخياً؟ ولماذا بُنيت الاتفاقات السياسية مع المجلس الوطني الكردي، من هولير إلى دهوك ثم مؤتمر قامشلو، على أساس الاعتراف بوجود قضية كردية وهوية قومية وجغرافيا سياسية مرتبطة بها؟
وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية: أين موقف المجلس الوطني الكردي من هذا التحول في الخطاب؟ فالمجلس، الذي دخل في اتفاقات سياسية مع حزب الاتحاد الديمقراطي والإدارة الذاتية على أساس الاعتراف بوجود قضية كردية وجغرافيا سياسية كردية في سوريا، لم يصدر حتى الآن موقفاً واضحاً وحاسماً تجاه التصريحات التي تنفي وجود مناطق كردية. وهذا الصمت يثير تساؤلات لدى الشارع الكردي حول ما إذا كان المجلس لا يزال متمسكاً بخطابه التقليدي حول “كردستان سوريا”، أم أنه هو الآخر بات يتعامل بمرونة سياسية مع التحولات الجديدة التي فرضتها التوازنات الإقليمية والدولية. فالقضية هنا لا تتعلق بمجرد مصطلحات، بل بجوهر الرؤية السياسية لمستقبل الكرد وحقوقهم القومية في سوريا.
الحقيقة أن الخطاب السياسي للإدارة الذاتية مرّ بتحوّل واضح. ففي السنوات الأولى للثورة السورية، كان الخطاب القومي الكردي حاضراً بقوة، وكانت تسمية “روج آفا كردستان” تُستخدم علناً في الإعلام والمؤسسات والفعاليات السياسية، في إشارة مباشرة إلى “غرب كردستان” باعتباره الجزء الكردستاني من الجغرافيا الكردية التاريخية الملحق بالدولة السورية الحديثة. ولم يكن الأمر مجرد توصيف ثقافي أو عاطفي، بل مشروعاً سياسياً متكاملاً يستند إلى فكرة الحقوق القومية للشعب الكردي في سوريا بغض النظر إذا كان ذلك تكتيكاً أم استراتيجية.
لكن مع تطورات الحرب السورية، واتساع رقعة سيطرة الإدارة الذاتية إلى مناطق ذات أغلبية عربية كالرقة ودير الزور، بدأ الخطاب يتبدّل تدريجياً. فجرى التخلي عن مصطلح “روج آفا كردستان”، ثم اختُصر إلى “روج آفا”، قبل أن يُستبدل لاحقاً بمصطلح “شمال وشرق سوريا”، باعتباره أكثر شمولية وقبولاً على المستويين الإقليمي والدولي.
هذا التحول لم يكن لغوياً فحسب، بل كان تحولاً سياسياً عميقاً. إذ انتقل المشروع من خطاب قومي كردي واضح إلى خطاب “الأمة الديمقراطية” و”أخوّة الشعوب”، وهي مفاهيم تقدّم نفسها بوصفها عابرة للقوميات. غير أن هذا الانتقال يطرح تساؤلات مشروعة: هل جرى توسيع المشروع ليشمل جميع المكونات فعلاً، أم جرى التراجع عن جوهر القضية الكردية نفسها؟
لا أحد ينكر أن سوريا بلد متعدد القوميات والأديان والطوائف، وأن التداخل السكاني حقيقة تاريخية لا يمكن تجاوزها. لكن الاعتراف بالتنوع لا يعني إنكار وجود مناطق كردية، كما لا يعني محو الهوية السياسية للقضية الكردية. فكل الشعوب المتجاورة والمتداخلة تحتفظ بحقها في تعريف نفسها والدفاع عن حقوقها القومية السياسية والثقافية.
المفارقة أن القوى التي كانت بالأمس تؤكد على “روج آفا كردستان” بوصفها قضية شعب وأرض، باتت اليوم تتجنب حتى استخدام المصطلح، وكأنها تحاول إعادة صياغة الذاكرة السياسية بما يتناسب مع التحالفات والمتغيرات الراهنة. وهذا ما يثير مخاوف شريحة واسعة من الكرد الذين يرون في هذا التحول نوعاً من التنازل التدريجي عن الحقوق القومية تحت عناوين سياسية وهمية فضفاضة.
إن الدفاع عن التعايش لا يتناقض مع الدفاع عن الحقيقة التاريخية. والحديث عن أخوّة الشعوب لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لإنكار وجود شعب أو تذويب قضيته. فالقضية الكردية في سوريا ليست مجرد شعار سياسي عابر، بل قضية شعب وأرض تتعلق بالهوية والحقوق والاعتراف والمستقبل.
ولهذا، فإن التصريحات التي تنفي وجود مناطق كردية في سوريا لا تبدو بالنسبة لكثيرين مجرد قراءة سياسية جديدة، بل تبدو انقلاباً على خطاب كامل تم بناؤه وترويجه لعقود.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني هناك لحظات لا تكون فيها المحاكمة مجرد محاكمة رجل. تتحول إلى محاكمة زمن كامل.   زمن كانت فيه المخابرات أقوى من القانون، وكانت كلمة ضابط أمن قادرة على أن تُبقي إنساناً خلف القضبان أو تفتح أمامه باب الموت، وكان القاضي نفسه، في بعض الحالات، يعيش تحت ظل الخوف والتهديد.   واليوم، مع مثول “محمد منصورة”، الرئيس السابق لفرع…

كفاح محمود في الطب، قد تكون الجلطة لحظة فاصلة بين الحياة والموت، فهي تحدث عندما ينسد شريان يمنع وصول الدم إلى جزء من الجسد، أو عندما يتوقف مسار حيوي عن أداء وظيفته الطبيعية.، وقد تنتهي بوفاة العضو، أو تترك أثرًا دائمًا يتمثل في فقدان القدرة على الحركة، فالخطر لا يكمن دائمًا في توقف الحياة، بل أحيانًا في بقاء الجسد حيًا…

راجآل محمد Rajal Muhammed بمناسبة مئوية القامشلي سأغرد خارج السرب، ولن أتغنى بجمالها فهي ليست جميلة فلا شارع واحد مشجر من الطرفين، ولا حتى من طرف واحد. ليس فيها قانون للمرور حيث ترى السيارات مركونة كيفما شاء اصحابها وتأتي من كل الاتجاهات وترى السيارة مركونة على الرصيف ولا تترك مجالا للمشي. ليس فيها نسمة هواء نظيفة بعد أن تم حشوها…

أ. د. سربست نبي القابلية لإقناع الذات وخداعها إزاء الواقع، هو استعداد وسلوك نفسي مشترك ينشأ لدى الجماعات والأفراد، الذين بلغوا درجة من العجز المطلق إزاء فهم واقعهم وتفسيره بعد أن فُرض عليهم قسراً، واستسلموا فعلياً له. ورغم ذلك يلجؤون إلى ميكانيزمات لخداع الذات والتحايل عليها عبر إسباغ معنى أو دلالة معاكسة لهذا الواقع كما هو بالفعل. فالأمم تخدع نفسها…