الأوضاع في سوريا بين الواقع والتطلعات: رؤية تيار مستقبل كردستان

تقرير سياسي من تيار مستقبل كردستان سوريا ، حول الأوضاع في سوريا
في ظل المرحلة الدقيقة التي تمر بها سوريا، وبعد مرور أكثر من عام وعدة أشهر على تشكيل حكومة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، يجد تيار مستقبل كردستان سوريا نفسه مضطراً لتوضيح موقفه من مجمل القضايا الوطنية في سوريا، وفي مقدمتها القضية الكردية، وكذلك تقييم أداء السلطة الحالية في دمشق. فما نشهده اليوم من تباين بين الخطاب السياسي والإعلامي من جهة، وبين واقع الحال الذي يعيشه المواطن السوري عموماً والكردي خصوصاً من جهة أخرى، يدعو إلى وقفة مسؤولة ونقد موضوعي بعيداً عن المجاملات.
أولاً: يؤكد تيار مستقبل كردستان سوريا أن القضية الكردية في سوريا هي قضية شعب يعيش على أرضه وفي وطنه، وهي قضية سياسية وديمقراطية بامتياز، وليست قضية أمنية أو إدارية يمكن المساومة عليها كما يحاول البعض تصويرها. فشعبنا الكردي جزء أصيل من نسيج سوريا الوطني، وقد دفع ثمناً باهظاً من التضحيات في سبيل حرية وكرامة جميع السوريين.
إن الحل العادل لهذه القضية يتطلب اعترافاً دستورياً بها، على أرضية حق الكرد في تقرير مصيرهم وإدارة مناطقهم عبر أشكال متنوعة من الحكم المحلي، وذلك في إطار سوريا موحدة ومستقلة تحترم تنوعها الثقافي والديني والعرقي، ودولة مدنية ديمقراطية لا مركزية تضمن لجميع مكوناتها حق إدارة شؤونها المحلية، وفي مقدمتها المناطق الكردية.
ثانياً: يقيّم تيار مستقبل كردستان سوريا المرسوم رقم (13) الصادر عن رئيس السلطة الانتقالية في دمشق لهذا العام، باعتباره خطوة إيجابية على الطريق الصحيح، لكنه يؤكد، وبكل وضوح وشفافية ، أنه لا يمكن اختزال حل القضية الكردية كوحدة سياسية متكاملة وبشكل جذري في هذا المرسوم مهما كانت أهميته . فالمرسوم (13)، الذي صدر في يناير 2026، وشهد إقراراً رسمياً، وللمرة الأولى في التاريخ القانوني السوري، بالحقوق الكردية، بما في ذلك الاعتراف بالهوية الكردية كجزء من النسيج الوطني السوري، واعتماد اللغة الكردية كلغة وطنية إلى جانب العربية، والسماح بتدريسها في المدارس، وإلغاء الآثار المترتبة على إحصاء الحسكة عام 1962 الذي جرد آلاف الكرد من جنسيتهم .
لكن، وعلى الرغم من أهمية هذه المكاسب، يبقى المرسوم مجرد قرار تنفيذي يفتقر إلى الحصانة الدستورية التي توفر أعلى درجات الحماية ضد احتمالات التراجع عنه مستقبلاً. لذلك، لا بد من استكمال هذا المرسوم ليشمل جميع أبعاد القضية الكردية بما فيه موضوع الحزام العربي واعتماد الكردية لغة رسمية ، والنظر بالتقسيمات الادارية من خلال خصوصية المناطق الكردية ، عبر حوار جاد ومسؤول بين السلطة في دمشق والوفد الكردي المشترك المنبثق عن مؤتمر 26 نيسان 2025، الذي انعقد في قامشلو وضم أكثر من 400 شخصية كردية، وقرر تشكيل وفد موحد للتفاوض مع الحكومة الجديدة في دمشق حول آفاق حل القضية الكردية.
ثالثاً: يرفض تيار مستقبل كردستان سوريا، وبشدة، اختزال القضية الكردية في وظائف ومديريات، ولا سيما ما تمارسه بعض القوى والشخصيات التي تتهافت على بعض الوظائف، وكأن حل القضية الكردية هو مجرد حصة في الحكومة أو مجلس الشعب. إننا نذكّر هؤلاء بأنه في فترة النظام البائد كان الكرد موجودون في دوائر الدولة ومؤسساتها، لكن ذلك لم يحل قضيتهم العادلة.
وخلال الثورة السورية، تعرّض العديد من الموظفين الكرد الذين شاركوا في الثورة أو وُجّهت إليهم تهم كيدية بدعم الإرهاب، للفصل والطرد من وظائفهم، مما خلق شواغر كثيرة في مؤسسات الدولة. إن إشغال هذه الشواغر هو حق طبيعي وليس منّة من أحد، وهو ضروري لكي تستعيد المؤسسات عافيتها وتتمكن من تقديم خدماتها لجميع السوريين. لكننا نحذّر من أن يكون التوظيف مجرد أداة لشراء الذمم أو تمرير سياسات لا تخدم جوهر القضية الكردية.
رابعاً: يتابع تيار مستقبل كردستان سوريا بقلق بالغ أداء السلطة الحالية في دمشق، ويؤكد أن هذه السلطة لم تستطع النهوض بالبلاد رغم مرور أكثر من سنة وعدة أشهر على مجيئها. فمنذ تشكيل الحكومة، كانت آمال السوريين معقودة على تحسين سريع في أوضاعهم المعيشية التي تدهورت بشكل حاد خلال سنوات الثورة، حيث وصلت نسبة الفقر إلى 90% وفق بيانات الأمم المتحدة.
لكن، للأسف، لم ينعكس أداء السلطة على الوضع الاقتصادي، الذي لا يزال يدور في حلقة مفرغة رغم سيطرتها على حقول النفط. فرغم الحديث عن بيع أصول الدولة ومؤسساتها وخصخصة القطاع العام، فإن هذه السياسات لم تحقق نتائج إيجابية على المواطن العادي، بل على العكس، تهدد بمزيد من التعقيد والفقر وتوسيع رقعة البطالة ، ولا يزال الاقتصاد السوري يعاني من تداعيات السياسات الخاطئة، ولم تترجم الوعود الاقتصادية الكبيرة إلى واقع ملموس حتى الآن.
خامساً: بعد أكثر من سنة على تشكيل حكومة الشرع، يجب أن نكون صريحين وموضوعيين في تقييم الأداء. فبينما نثمّن بعض الحريات الإعلامية التي شهدتها سوريا مؤخراً، والتي تمثل تقدماً نسبياً مقارنة بعهد النظام البائد، إلا أن ذلك لا يمكن أن يخفي الإخفاقات الواسعة في المجالات الأخرى.
فما نلاحظه هو اعتماد متزايد على البروباغندا الإعلامية التي لا تعكس الواقع على الأرض؛ فالقول شيء والعمل شيء آخر تماماً. لقد تحدث المسؤولون في دمشق كثيراً عن الإصلاحات وبناء سوريا جديدة، لكن الواقع الملموس يقول غير ذلك. فالكهرباء غير متوفرة ، والأسعار مرتفعة على غرار دول الجوار لكنها لا تتناسب مع دخل الفرد السوري، والمياه مقطوعة في كثير من المناطق، والطرق متداعية، والقطاع الصحي يعاني من نقص حاد في المعدات والأدوية والكوادر الطبية، كما أن أسعار المحروقات باتت تثقل كاهل المواطن، في ظل انسداد سوق العمل وغياب الإنتاج.
وما يثير القلق أكثر هو غياب خطط واضحة وشفافة ومعالم استراتيجية محددة لدى الحكومة للنهوض بالبلاد. فحتى الآن، تعاني إدارة الدولة من ضعف الحوكمة، مما يجعل من الصعب إجراء تقييم دقيق للأداء بسبب غياب البيانات الحكومية الواضحة والخطط القابلة للبناء عليها.
سادساً: في المجال الاقتصادي، نشهد سياسات متسرعة ومتناقضة. فمن جهة، تتحدث الحكومة عن جذب الاستثمارات الأجنبية، ومن جهة أخرى، تتخذ قرارات تؤدي إلى تفاقم معاناة المواطنين. إن خصخصة القطاع العام وتسريح آلاف الموظفين دون بدائل حقيقية يهددان بكارثة اجتماعية وإنسانية. فمن غير المعقول الحديث عن تسريح ما بين 200 إلى 250 ألف موظف من القطاع العام في ظل غياب قطاع خاص قادر على استيعاب هذه الأعداد.
يُضاف إلى ذلك القرارات المالية غير المنضبطة، مثل رفع أسعار الكهرباء بشكل مفاجئ في أكتوبر 2025، حيث زادت التعرفة ما بين 160 إلى 190 ضعفاً تبعاً لمستويات الاستهلاك، وارتفعت أسعار باقات الاتصالات والإنترنت بنسبة تتراوح بين 70% و100%، في وقت لم تتحسن فيه جودة الخدمات المقدمة. كما أن الأوضاع الأمنية ما زالت متفاوتة بشكل حاد بين المناطق، وبعضها لا يزال عرضة لعدم الاستقرار والتوترات المحلية والعنف الطائفي، مما يجعل المواطن السوري يعيش مأزقاً حقيقياً بين ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع مستوى الدخل، دون حلول جذرية حتى الآن.
سابعاً: يحذّر تيار مستقبل كردستان سوريا من أن استمرار هذه السياسة القائمة على الوعود الإعلامية والخطابات الرنانة دون تنفيذ فعلي على الأرض سيقود البلاد إلى مزيد من الاحتقان وعدم الاستقرار. لقد سئم الشعب السوري، بكل مكوناته، من التضليل الإعلامي ومن الوعود التي تتبخر مع مرور الأيام، وهو ما يستدعي من السلطة في دمشق التركيز على تحسين الأوضاع المعيشية أولاً، ووضع خطط واقعية وشفافة لإعادة الإعمار وعودة اللاجئين، مع تحديد جداول زمنية واضحة ومساءلة علنية عن الإنجازات، وتفعيل العدالة الانتقالية، والتوقف عن استخدام القضية الكردية كورقة سياسية أو وسيلة للتهدئة، والتعامل معها كقضية وطنية تستحق حلاً جذرياً عادلاً.
ثامناً: يؤكد تيار مستقبل كردستان سوريا تمسّكه بخيار الحوار البنّاء كسبيل وحيد لحل جميع القضايا العالقة، ويشدد على أهمية الحوار مع الوفد الكردي المشترك بوصفه الممثل الشرعي للشعب الكردي في سوريا. فقد تم تشكيل هذا الوفد بتوافق كردي واسع في مؤتمر 26 نيسان 2025، وهو المخوّل بالتفاوض حول مستقبل القضية الكردية وفق الرؤية الكردية المشتركة.
كما يعيد التأكيد على ضرورة الحفاظ على الوحدة الكردية وعدم السماح لأي جهة كانت بضرب هذه الوحدة أو الالتفاف عليها. فأي حل للقضية الكردية يجب أن يكون نابعاً من إرادة ممثلين حقيقيين عن الشعب الكردي، وليس مفروضاً من الخارج أو عبر أطراف غير تمثيلية.
تاسعاً: يؤكد تيار مستقبل كردستان سوريا أن المخرج من الأزمة الراهنة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر العودة إلى الحوار الوطني الجامع، لأن استمرار احتكار السلطة لقراراتها بشكل مركزي، دون مشاركة حقيقية من جميع أطياف الشعب السوري، هو أحد أهم أسباب التعثر الحالي.
وعليه، يطالب بـ:
1. عقد مؤتمر وطني جامع يضم جميع القوى السياسية والاجتماعية والمدنية السورية بكل تنوعها القومي والديني والثقافي، دون استثناء أو إقصاء.
2. تشكيل حكومة وحدة وطنية تكون مهمتها الأساسية إدارة المرحلة الانتقالية، وتعكس تمثيلاً حقيقياً لجميع مكونات الشعب السوري، دون خضوع لوصاية جهة واحدة.
3. إصدار قانون أحزاب عصري وديمقراطي يضمن حرية تأسيس الأحزاب والعمل السياسي السلمي، ويحظر أي شكل من أشكال الاحتكار أو الاستئثار بالسلطة.
4. انتخاب جمعية تأسيسية عبر اقتراع حر ونزيه، تتولى صياغة دستور دائم لسوريا، يُقرّ عبر استفتاء شعبي عام، ويكفل حقوق جميع السوريين دون تمييز.
عاشراً: يدين تيار مستقبل الاعتداء الذي تعرض له المعتصمون السلميون في دمشق تحت شعار “قانون وكرامة”، باعتباره اعتداءً على جوهر مطالب الثورة ، ويشدد على ضرورة تقديم مرتكبي مجازر الساحل والسويداء للعدالة والحساب.
حادي عشر: يوجّه تيار مستقبل كردستان سوريا دعوة صريحة إلى السلطة في دمشق لإجراء مراجعة جدية ومسؤولة لأدائها في جميع المجالات، لأن استمرار الوضع على ما هو عليه ستكون له عواقب وخيمة على الجميع. فالشعب السوري يستحق أفضل مما يُقدَّم له، والكرد في سوريا يستحقون العيش بكرامة ومساواة كاملة.
وفي ظل الأحداث الأخيرة في شمال شرق سوريا، والتوصل بين السلطة وقسد إلى اتفاق 29 كانون الثاني 2026 القاضي بدمج مؤسسات قسد المدنية والعسكرية ضمن الدولة السورية، نؤكد استمرارنا في النضال السلمي والسياسي لتحقيق حقوق الشعب الكردي ضمن سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية.
ثاني عشر : يعرب تيار مستقبل كردستان سوريا عن قلقه البالغ إزاء ملف الأسرى والمعتقلين الكرد والمفقودين، والذي بات يشكل قضية إنسانية مقلقة للغاية. إذ لا يزال هناك المئات من الشباب الكرد مغيبين، ولا يُعرف مصيرهم حتى الآن، الأمر الذي يسبب حالة قلق عميقة لدى ذويهم، خاصة في ظل التطورات الأخيرة والحرب التي اندلعت في شمال شرق سوريا بين السلطة السورية وقوات سوريا الديمقراطية.
إننا نؤكد ضرورة إيجاد حل عاجل لهذا الملف الإنساني ، من خلال الكشف عن مصير جميع المعتقلين والمفقودين، والعمل على إطلاق سراح المحتجزين، واتخاذ خطوات جدية لمعالجة هذه القضية بما يخفف معاناة مئات العائلات ويعزز الثقة والاستقرار المجتمعي.
تيار مستقبل كردستان سوريا
الهيئة التنفيذية
٥ أيار ٢٠٢٦

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فواز عبدي   في كل مرة يغادرنا قيادي كردي إلى مثواه الأخير، تتكرر ذات المسرحية: بعد حياة سياسية صاخبة حافلة بالانقسامات، والمناكفات، والتحزّب الضيق، وبعد أن يضع رجلاً في القبر وتبقى الأخرى معلقة في الهواء، يخرج علينا ببيان أو منشور أو وصية أخيرة، تتساءل – ببراءة الموتى – “كيف السبيل إلى اتفاق الكرد السوريين؟” يا للمفارقة! يا لسخرية القدر! Weyla…

اكرم حسين   لا يمكن قراءة تاريخ الشعب الكردي في سوريا أو فهم صيرورته السياسية عبر عدسات ضيقة تفتقر إلى العمق الاستراتيجي؛ فالكُرد ليسوا طارئاً جغرافياً ولا “وافداً” على النسيج الوطني، بل هم جزء أصيل ممتد الجذور في تربة هذه الأرض منذ قرون. لقد جاء “مقص” سايكس-بيكو ليبتر أوصال المنطقة وتاريخها ، ضارباً عرض الحائط بإرادات الشعوب، ليدشن بذلك فصلاً…

د. محمود عباس   غربي كوردستان بين انكماش الجغرافيا وضيق الفرصة السياسية… 2 اليوم لم تعد المسألة كما كانت. فغربي كوردستان لم يعد يقف أمام فرصة تمدد سياسي، بل أمام معركة الحفاظ على ما تبقى. عفرين خرجت من يد أهلها، وتحولت إلى جرح مفتوح تحت سيطرة أدوات مرتبطة بالمشروع التركي، لا تملك الحكومة السورية المؤقتة أو…

عدنان بدرالدين من سؤال التمثيل إلى سؤال التأسيس لا يبدأ التمثيل السياسي من الانتخابات، بل من لحظة أسبق: لحظة تعريف الجماعة السياسية نفسها. فقبل أن يُطرح سؤال “من يمثل من”، يكون سؤال آخر قد حُسم سلفًا: من هو الشعب أصلًا، ومن يملك تثبيت هذا التعريف داخل الدولة؟ في الحالة التركية، لم يكن التأسيس نقاشًا حول كيفية تنظيم التعدد داخل جماعة…