“الأحياء” ووصايا الموتى

فواز عبدي

 

في كل مرة يغادرنا قيادي كردي إلى مثواه الأخير، تتكرر ذات المسرحية: بعد حياة سياسية صاخبة حافلة بالانقسامات، والمناكفات، والتحزّب الضيق، وبعد أن يضع رجلاً في القبر وتبقى الأخرى معلقة في الهواء، يخرج علينا ببيان أو منشور أو وصية أخيرة، تتساءل – ببراءة الموتى – “كيف السبيل إلى اتفاق الكرد السوريين؟”

يا للمفارقة!

يا لسخرية القدر!

Weyla felekê mala te ne ava!!

كيف لمن قضى عمره السياسي في شق الصف، وتكريس الزعامات الورقية، وبناء الولاءات الشخصية على حساب المصلحة العامة، أن يطلب فجأة، عند شعوره بساعة الوداع، ما لم يعمل من أجله يوماً واحداً بصدق؟ هل هو تأنيب ضمير؟ لا أظن.. هل صارت الوحدة حلماً لا يُذكَر إلا في سكرات الموت؟ وهل تحولت القضية الكردية إلى حقل تجارب لغرور القادة ومراهقة الأحزاب؟ أم تبرئة “الذمة” كي يردد التابعون/القطيع “وصيته” وتستغلها القيادات التالية لاستمرارية تبعية القطيع؟

لقد اعتاد كثير من القادة – إن لم نقل جميعهم- على محاصرة كل محاولة إصلاحية في أحزابهم، ومحاربة كل عقل جاد يملك بذور مشروع يشتم منه رائحة مشروع حقيقي. فالمبادرات الناضجة كانت تُقابل بالسخرية أو التشكيك أو التهميش، وأصحابها يُضيَّق عليهم حتى يرحلوا أو يُطردوا، فقط لأنهم يملكون الكفاءة أو الشجاعة أو الجرأة على التفكير بصوت مرتفع. وأكثر الأحيان لمجرد سؤال لا يروق لهم! فالخطر الأكبر على هؤلاء القادة لم يكن “العدو الخارجي” كما كانوا ومازالوا يدّعون في ثرثراتهم ولا أقول خطابهم، و أي عضو شاب نشيط يمكن أن يشكل تهديداً مستقبلياً على الكرسي الذي التصقوا به لعقود. فقد اتخذوا من الحزب مزرعة خاصة أسوة بالسلطات الشرقية القائمة، مزرعة تورّث ويُطرد منها كل من يشذّ عن الطاعة.

هل ننسى كيف كانت تجهض أي محاولة للم شمل الحزب نفسه قبل الحديث عن وحدة الكرد؟ كيف كانت تُقبر كل فكرة إصلاح، ليس لأنها غير صالحة، بل لأنها لا تمر من بوابة “الزعيم”؟ وهل نُفاجأ بعد ذلك إذا تحولت أحزابنا إلى كيانات جوفاء، عاجزة عن التأثير إلا في بيانات المناسبات؟ وهنا سأذكر حادثة طريفة حين شاركت في محاولة لمنع الانشقاق. فقد استغرقت النقاشات شبه العقيمة وقتاً أكثر من اللازم بكثير، وحين وصلنا إلى اتفاق اختيار بعض “الرفاق” لكتابة بيان توحيدي محايد، ومن يلتزم به أهلا ومرحبا، ومن لا يقبل فتلك مشكلته –كائناً من كان- وكنت قد لاحظت تشدد فريق منهم (كتلة تابعة لقيادي) فأخذت عدة “رفاق على جنب واقترحت عليهم أن نختار تلك الكتلة لكتابة البيان. استغربوا وتهربوا في البداية بدعوى أنهم يؤيدون القيادي الفلاني علناً. قلت ومع ذلك سنختارهم.. وهكذا كان. ذهبوا إلى غرفة أخرى وكتبوا البيان. ووافقنا عليه بعد أن قرؤوا نصه أمامنا. وقلنا لهم تأخر الوقت جداً اذهبوا إلى بيوتكم وانشروه في مواقع الانترنت…

في صباح اليوم التالي جاؤوا طارقين باب البيت الذي آوانا.. وحين سألناهم : هل نشرتم البيان؟ فكان جوابهم بالنفي!! وحين سألناهم عن السبب، خاصة وأننا اتفقنا على ماكتبوه هم أنفسهم، كان جوابهم أنهم غير موافقين على البيان.. وأن هذه مؤامرة ضد القيادة!!!!!!

وحين حصل الانشقاق تركت الحزب، وكل الأحزاب..

الواقع الكردي في سوريا، كما في غيره من أجزاء كردستان، الانقسام فيه لا يولد من فراغ، وإنما يُصنع ويُدار، ويُغذّى عمداً، حتى صارت الفصائلية عبادة، و”المشروع القومي” مجرد لافتة مهترئة توضع على واجهة كل حزب، بينما يتآكل البيت من الداخل.

ولنكن أكثر وضوحاً: كل الأحزاب الكردية في سوريا، دون استثناء، تمثل أمثلة واقعية حيّة على هذا الخراب الذاتي. جميعها تحوّلت إلى دوائر مغلقة، لا تفرّق بين الحزب والعائلة، بين القيادة والعبودية، بين القضية والكاريزما الزائفة. القيادات الحالية، القديمة منها والمتجددة شكلياً، فقدت الإحساس بواقع شعبها، ولم تعد ترى في الشارع الكردي سوى جمهور تصفيق، أو منصّة تُستخدم لشرعنة استمرارها. حتى عندما تتظاهر بالرغبة في الحوار أو الوحدة، فإنها تفعل ذلك فقط تحت الضغط، أو بهدف التحايل الإعلامي، لا بقناعة ولا بنية حقيقية.

فمن حزبٍ يعيش على رصيد تاريخي لم يعد يعني شيئاً، إلى آخر يخضع بالكامل لإرادة الخارج، إلى ثالث مشغول بصراعات داخلية عبثية، ورابع لم يخرج من عباءة زعيمه المؤسس منذ ستين عاماً… لا أحد منهم يملك مشروعاً وطنياً جامعاً، ولا حتى يجرؤ على الانسحاب بشرف ليفسح المجال لدم جديد.

الوحدة التي ينادون بها عند الموت، هي ذاتها التي خنقوها طوال حياتهم.

من المعيب أن تصبح “الوحدة الكردية” وصية يتيمة في جنازات السياسيين، بدل أن تكون برنامج عمل، أو خطة نضال، أو أول بند في أجندة أي حزب يدّعي تمثيل شعب. ومن المحزن أن تستمر هذه الحلقة: زعيم يموت، يندم، ويطلب من الأحياء ما لم يطلبه من نفسه؛ وزعماء آخرون يمضون في نفس الطريق، وكأنهم لا يرون في الموتى إلا الوصية الزائفة.

الوحدة لا تصنعها الكلمات، ولا تأتينا من على فراش الموت. الوحدة قرارٌ حيّ، شجاع، يتطلب التواضع، والتراجع، وكسر الأصنام الحزبية. وكل من لا يملك الشجاعة على فعل ذلك في حياته، فلا معنى لندمه عند مماته.

ويبقي الحل بأن يقوم الجيل الجديد بقتل الجيل القديم –جيلنا- (فكريا لا جسدياً) والبناء على أنقاضه، كما يبنى السلام على أنقاض الحرب..

حين تتكاثر الأحزاب وتبقى الشعارات كما هي منذ نصف قرن، فهذه ليست حيوية سياسية، بل انقسام بلا تطور، وتعدد بلا معنى.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين من تجربتي الشخصية في مجال الكتابة حول الحركة القومية – الوطنية الكردية السورية، حيث تناولت مبكراً مسألة تشخيص أزمة الحركة وسبل حلها، والإحاطة بعواملها الذاتية والموضوعية، وأسبابها الداخلية والخارجية برؤية نقدية، شعرت بلامبالاة إلى حدود تجاهل معظم النخب المثقفة، بل صدر من البعض رفض قاطع لوجود أية أزمة، وأن الحركة بخير، وكل…

أليسا شابلوفسكايا النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود ” أليسا شابلوفسكايا: معهد باريس للدراسات السياسية (حرم لو هافر الجامعي)” ( يبدو أن قراءة هذا المقال صالحة لقرن قادم وأبعد كُرْدياً. المترجم ) جدول المحتويات 1-“تجنيد” السكان الكُرْد كأصل استراتيجي 2- الكُرْد كقوة موازنة للنفوذ الأرمني المتزايد 3-الكُرْد كآخر على هامش الإمبراطورية 4- خاتمة   رغم أن الاهتمام الروسي بالكرد كان عاملاً…

كفاح محمود في الطب، لا يُعد النزيف مرضًا بحد ذاته، لكنه من أخطر مضاعفات الأمراض والإصابات، فالإنسان قد يحتمل الألم، ويقاوم الحمى، ويتعايش مع كثير من العلل، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا إذا استمر بالنزف، والأخطر أن بعض أنواع النزيف تكون داخلية، لا تُرى بالعين، ولا يشعر بها المريض إلا بعد أن يفقد جزءًا كبيرًا من قوته، وهذا ما…

د. محمود عباس إن تعمّد جانب من الإعلام السوري والعربي، وفي مقدمته الجزيرة والعربية والحدث، تصغيرَ ما جرى في سري كانيه وعفرين، وما يتكرر من اعتداءات في مناطق أخرى من غربي كوردستان، مقابل تضخيم إسقاط شابين كورديين للعلم السوري وتحويله إلى «الجريمة الكبرى»، يكشف اختلالًا فاضحًا في المعايير. فالعلم يُفترض أن يكون رمزًا لجميع السوريين، لا راية لجماعة تتوهم أن…