الدولة والتعدد: مسألة الشرعية في المجتمعات المركبة.. النموذج التركي: تطابق السلطة والهوية – الحلقة الثانية

عدنان بدرالدين

من سؤال التمثيل إلى سؤال التأسيس

لا يبدأ التمثيل السياسي من الانتخابات، بل من لحظة أسبق: لحظة تعريف الجماعة السياسية نفسها. فقبل أن يُطرح سؤال “من يمثل من”، يكون سؤال آخر قد حُسم سلفًا: من هو الشعب أصلًا، ومن يملك تثبيت هذا التعريف داخل الدولة؟

في الحالة التركية، لم يكن التأسيس نقاشًا حول كيفية تنظيم التعدد داخل جماعة قائمة، بل كان حسمًا لتعريف الجماعة السياسية نفسها. وهنا ينتقل الموضوع من مستوى التنافس السياسي إلى مستوى التأسيس، حيث تُحدَّد القواعد التي سيجري داخلها هذا التنافس.

الضرورة التاريخية وصناعة تعريف الجماعة

عند انهيار السلطنة العثمانية، لم تكن النخبة الجديدة أمام خيار إصلاحي تدريجي، بل أمام خطر تفكك كامل. إمبراطورية مهزومة، نظام فقد شرعيته، ومجال جغرافي مهدد بإعادة التقسيم.

في هذا السياق، ظهرت الكمالية بوصفها استجابة لسؤال البقاء. لم تُطرح القومية الجمهورية كامتداد طبيعي لتطور اجتماعي طويل، بل كأداة تأسيس لدولة جديدة قادرة على الاستمرار ونيل الاعتراف الدولي.

يمكن، رغم ما يحمله هذا الخيار من آثار إقصائية واضحة، تفهّمه في سياقه التاريخي. لكن المشكلة لا تكمن في اتخاذه فقط، بل في تثبيته لاحقًا كتعريف نهائي غير قابل للمراجعة. فالضرورة قد تفسر القرار، لكنها لا تفرض تحويله إلى قاعدة دائمة.

العلمانية الجمهورية: من أداة إلى بنية

ينطبق المنطق نفسه على ما يمكن تسميته العلمانية الجمهورية، أي العلمانية كما تبلورت داخل مشروع الدولة التركية الحديثة.

لم يكن تبنّي هذا النموذج مجرد خيار فكري، بل جزءًا من إعادة بناء الدولة وقطع الصلة بالنموذج العثماني. وقد أدى ذلك دورًا مهمًا في تثبيت الدولة داخليًا وتقديمها خارجيًا.

غير أن تطبيق هذا النموذج في مجتمع محافظ إلى حد كبير جعله يتجاوز كونه أداة تنظيم للعلاقة بين الدين والدولة، ليصبح جزءًا من تعريف المجال العام نفسه. ومن هنا نشأ توتر مستمر، لم يكن حول الدين بحد ذاته، بل حول من يملك تحديد حدود هذا المجال.

بهذا المعنى، لم يكن الخلاف يدور بين “دين” و“علمانية” فقط، بل حول موقع القرار النهائي في تعريف المجتمع والدولة.

تحويل الخوف إلى بنية دائمة

عزّزت معاهدة سيفر الإحساس بوجود خطر يهدد الدولة الناشئة. لكن الأثر الأهم لم يكن في وجود هذا الخطر، بل في الطريقة التي جرى تثبيته بها داخل تعريف الدولة.

فبدل التعامل معه كمرحلة انتقالية، أصبح جزءًا من السردية التأسيسية. وهنا بدأ تطابق السلطة والهوية يتخذ شكله الكامل.

لم يُترك تعريف الجماعة السياسية للتفاعل الاجتماعي، بل حُدد من أعلى، وأصبح احتكار القرار السيادي النهائي شرطًا لحمايته.

احتكار القرار السيادي واختبار الشرعية

ضمن هذا الإطار، ارتبط الانتماء السياسي بتعريف قومي واحد. ولذلك لم تُقرأ المطالب الكردية بوصفها مطالب إدارية أو سياسية محدودة، بل بوصفها مساسًا بتعريف الدولة نفسها.

هنا يظهر معنى اختبار الشرعية.

فعندما تطالب جماعة قومية بإعادة توزيع السلطة، فهي لا تطلب فقط حقوقًا، بل تطرح سؤالًا أعمق: هل يمكن إعادة تعريف الجماعة السياسية؟ وإذا كان هذا الاحتمال مغلقًا، فإن كل مطالبة من هذا النوع تُفهم كتهديد.

حدود المجال الممكن: تفكيك خطاب الاندماج

يمكن ملاحظة هذه الحدود أيضًا في بعض التحولات داخل الخطاب الكردي نفسه، حيث تُطرح مقاربات تدعو إلى الاندماج في مؤسسات الدولة القائمة بدل إعادة تعريفها. فقد تضمّن نداء عبد الله أوجلان في 27 شباط 2025 مثلا دعوة صريحة إلى الاندماج في مؤسسات الدولة التركية، مع الابتعاد عمّا يُوصَف داخل هذا الخطاب بـ“المطالب القومية التقليدية” المرتبطة بإعادة توزيع السلطة أو إعادة تعريف العلاقة مع الدولة.

غير أن هذا التوصيف لا يمكن التعامل معه بوصفه توصيفًا محايدًا، بل باعتباره جزءًا من إعادة صياغة أفق المطالب السياسية نفسها. ففي إطار سيادي لا يتيح عمليًا إعادة تعريف الجماعة السياسية أو توزيع عناصر من السيادة، يتحول النقاش من مسألة إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والتعدد، إلى مسألة التكيّف مع تعريف قائم سلفًا، وهو ما يضع حدودًا واضحة لنطاق ما يمكن المطالبة به داخل هذا الإطار.

إعادة إنتاج التطابق بصيغ جديدة

لم تؤدِّ التحولات السياسية اللاحقة إلى كسر هذا النمط، بل إلى إعادة إنتاجه بصيغ مختلفة. فقد تغيّرت اللغة المستخدمة في تعريف الدولة، وأُعيد دمج عناصر قومية ودينية وأمنية في خطاب واحد.

لكن ما لم يتغير هو البنية الأساسية: مركز يحتكر تعريف الجماعة السياسية، وحدود ضيقة لأي محاولة لإعادة تعريفها.

موقع النموذج التركي في السلسلة

يقدم النموذج التركي مثالًا واضحًا لدولة ربطت استقرارها بتثبيت تعريف مغلق للجماعة السياسية. رغم أبعاده الإقصائية الجلية، يمكن تفهم هذا الخيار في لحظة التأسيس، لكن استمراره هو ما يفسر التوتر الدائم.

ومن هنا يطرح السؤال التالي: ماذا يحدث حين لا يُعلن هذا التعريف بصورة قومية صريحة، بل يُعاد إنتاجه داخل أطر عقائدية أو أمنية مختلفة؟

– يتبع –

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي تبرز التحديات المجتمعية والتنموية والسياسية أمام كل ديمقراطية ناشئة طبقاً لخصوصيتها الثقافية والمجتمعية وسياقها التاريخي المعيوش، ولهذا لايمكن تقديم انموذج أمثلي عام لمجمل تلك التحديات، يعدّ صالحاً بصورة مطلقة للتطبيق على جميع الديمقراطيات الناشئة في العالم، دون الأخذ بالحسبان ديالكتيك العام والخاص، المطلق والنسبي في قراءتها. يمكن إجمالاً يمكن اختصار أهم تحديات الديمقراطية في الشرق الأوسط…

الكاتب و الحقوقي : محمد عبدي ما نراه اليوم على مستوى سوريا عموماً و الحسكة خصوصاً. من فقرٍ مقصود و تضيق الخناق على الرقاب المستضعفة ، و القرارات الإرتجالية التي تصدر بدون أي دراسة حقيقية للقدرة التحملية لإقتصاد الفرد المتوسط حتى، ما هي إلا سياسة جديدة ينتهجها سلطة دمشق و السلطة المحلية الحاكمة في محافظة الحسكة لا يعرف اي أحد…

مهند محمود شوقي / كاتب وباحث سياسي منذ ما يقرب من عشرين عاماً، وأنا أتنقل بين أروقة السياسة في العراق وإقليم كوردستان، أراقب عن قرب صعود القادة وسقوطهم، وأستمع إلى الوعود الكبيرة التي كثيراً ما كانت تتبخر عند أول اختبار حقيقي. حضرت اجتماعات مصيرية، وغطيت أزمات كبرى، وشهدت لحظات توافق وأخرى كانت البلاد فيها تقف على حافة الانقسام. وخلال هذه…

لاوين ابراهيم لم تكن المظاهرات الأخيرة التي شهدتها مدن محافظة الحسكة سوى تعبير طبيعي عن حالة الاحتقان التي تراكمت خلال سنوات طويلة من الأزمات والوعود المؤجلة. فالأصوات التي ارتفعت في الشوارع لم تكن وليدة لحظة عابرة، بل نتيجة مسار طويل من التراجع المعيشي وفقدان الثقة بقدرة الجهات القائمة على إدارة شؤون المنطقة على إحداث تغيير حقيقي في حياة الناس. لسنوات…