خالد حسو
إن الحلم الأبدي يتمثل في إعادة ترتيب وتنظيم البيت الكوردي على أسس قومية جامعة تُجسّد الهوية الكوردية المشتركة، وتعبّر عن الإرادة العليا للشعب الكوردي، وتقدّم المصلحة العامة فوق كل انقسام حزبي أو فردي أو جهوي. ويهدف هذا المسار إلى بناء وحدة حقيقية تُحصّن الإرادة السياسية، وتفتح آفاقًا واقعية لبناء مستقبل يليق بتضحيات هذا الشعب العريق.
ويقوم هذا الحلم على أساسٍ جوهري لا يمكن تجاوزه أو القفز فوقه، وهو حق تقرير المصير، كما نصّت عليه مواثيق الأمم المتحدة والقانون الدولي، باعتباره حقًا مشروعًا للشعوب في تحديد مستقبلها واختيار مسارها بحرية وكرامة.
وانطلاقًا من هذا الأساس، تبرز الحاجة الملحّة إلى عقد مؤتمر قومي ديمقراطي شامل وجامع، يضم مختلف القوى والفعاليات والشخصيات الوطنية دون إقصاء أو تهميش، ليكون منصة حقيقية لتوحيد الصفوف، وصياغة رؤية مشتركة، وتحديد الأهداف الاستراتيجية العليا التي تعبّر عن إرادة الشعب الكوردي.
إن هذا المؤتمر المنشود لا ينبغي أن يكون محطة شكلية، بل منعطفًا تاريخيًا يُؤسس لمرحلة جديدة، يتم فيها بلورة إطار قومي جامع، يحدد بوضوح الحقوق والواجبات على أسس عادلة ومتوازنة، ويؤسس لمرجعية سياسية تمثل الإرادة الحقيقية للشعب الكوردي، وتحمل على عاتقها مسؤولية الدفاع عن تطلعاته وطموحاته المشروعة.
وفي هذا السياق، أؤكد وبكل إصرار على أن تكون هذه المرجعية قائمة على أسس علمية ومهنية راسخة، بحيث تضم ذوي الخبرات العلمية والعملية، وخاصة في المجالات القانونية والحقوقية، إلى جانب المؤرخين والجغرافيين، وكذلك السياسيين ذوي الكفاءة والخبرة.
فهذه التخصصات مجتمعة تشكل قاعدة معرفية ضرورية لصياغة رؤية واقعية، دقيقة، وعادلة، قادرة على خدمة القضية الكوردية بعيدًا عن العشوائية أو الارتجال.
كما يقتضي هذا المسار القومي الديموقراطي الجاد تشكيل وفد رسمي دائم، وناطق رسمي معبّر، يتم اختيارهما على أساس الكفاءة والنزاهة والقدرة على تمثيل الشعب بصدق ومسؤولية، بعيدًا عن المحاصصة والاعتبارات الضيقة.
ويجب أن يُوضع كل شخص في الموقع الذي يليق به، وفق معيار الجدارة والخبرة والإخلاص، لا وفق المصالح أو التوازنات الضيقة.
كما إن وحدة الخطاب ووحدة القرار ووحدة الهدف تُعدّ ركائز أساسية لا غنى عنها في هذه المرحلة التاريخية، إذ إن تماسك الموقف السياسي وتوحيد الإرادة الوطنية يمثلان الشرط الحقيقي لأي تقدم أو نجاح في هذا المسار.
إن المسؤولية الملقاة على عاتق هذا الإطار ليست مسؤولية عادية، بل مسؤولية تاريخية تتطلب أعلى درجات الجدية والانضباط والوعي بالمرحلة. فهي مسؤولية ترتبط بمصير أمة وتطلعات أجيال، وتستوجب العمل الدؤوب والمتواصل من أجل تحقيق آمال أبناء الشعب الكوردي، والسعي الحثيث لإيجاد حلول واقعية وجذرية لكافة القضايا والمشكلات العالقة، بروح من الوحدة والتفاهم والإرادة المشتركة.
إنها لحظة تستدعي الارتقاء فوق الخلافات، وتقديم المصلحة العليا للشعب على كل اعتبار، والانتقال من حالة التشتت إلى حالة التنظيم، ومن ردود الفعل إلى صناعة القرار، ومن الانتظار إلى الفعل التاريخي المسؤول، بما يضمن مستقبلًا أكثر استقرارًا ووحدةً وكرامةً وازدهارًا .