احمد مرعان
مقولة الممثل السوري نهاد قلعي رحمه الله ( نهاد قلعي ) في مسلسل صح النوم ” كي نعلم ما في إيطاليا يجب أن نعلم ما في البرازيل ” تجسد الواقع العالمي الجديد وفق معطيات تكرس الحقيقة بوجهها الصحيح ، لما آلت إليه العلاقات الدولية بتفسير الحقائق طبقا للمصالح ..
تشهد سوريا منذ أكثر من عقد ونصف تحولات عميقة وعقيمة على المستويين السياسي والاجتماعي ، مما يجعل الحديث عن المرحلة الانتقالية وبناء الدولة ليس مجرد طرح نظري ، بل ضرورة ملحة تفرضها الوقائع الداخلية والتوازنات الدولية المعقدة ، فالمسار السوري لا يتشكل فقط من خلال الفاعلين المحليين ، بل يتداخل فيه التأثير من قبل القوى الإقليمية والدولية ، إلى جانب التنوع المجتمعي الغني الذي يميز البلاد..
تُعد المرحلة الانتقالية إطاراً مؤقتاً يهدف إلى الانتقال من حالة الصراع إلى الاستقرار ، عبر إعادة تشكيل المؤسسات السياسية والأمنية على أسس جديدة ، والتي تكتسب أهمية خاصة بسبب انهيار أجزاء من مؤسسات الدولة ، وتعدد السلطات على الأرض ، وفقدان الثقة بين مكونات المجتمع ، فنجاح هذه المرحلة يتطلب توافقاً سياسياً واسعاً ، يشمل قوى المعارضة والسلطة ، إضافة إلى تمثيل حقيقي للمجتمع المدني كما يستلزم وجود ضمانات دولية تساهم في تثبيت أي اتفاق بهذا الشأن ، دون أن تتحول إلى وصاية خارجية تُقيّد الإرادة الوطنية ..
فلا يمكن فهم تعقيدات المشهد السوري دون إدراك حجم التدخلات الدولية ، فقد أصبحت سوريا ساحة لتقاطع مصالح قوى كبرى وإقليمية ، لكل منها أجندتها الخاصة ، هذا الواقع يفرض تحدياً مزدوجاً ، قد تساهم هذه القوى في دعم التسوية السياسية ، وقد تعرقلها إذا تعارضت مع مصالحها من جهة أخرى ..
لذا فإن أي مشروع لبناء الدولة يجب أن يراعي هذه التوازنات والتناقضات ، عبر تبني سياسة خارجية مرنة تقوم على القيادة الإيجابية ، وتجنب الاصطفافات الحادة ، والعمل على استعادة القرار الوطني المستقل تدريجياً لمصلحة الوطن والمواطن..
فسوريا تتميز بتنوعها الإثني والديني والثقافي ، وهو ما يشكل ثراءً حضارياً ، لكنه في ظل الصراع تحول أحياناً إلى مصدر توتر خلال المرحلة الانتقالية ، فمن الضروري إدارة هذا التنوع بطريقة علمية وعملية تضمن العدالة والمساواة وتمنع الإقصاء والتهميش ، ويتطلب ذلك صياغة ، عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة ، ويكفل حقوق جميع المكونات دون تمييز كما ينبغي تعزيز اللامركزية الإدارية ، مع الحفاظ على وحدة الدولة ..
فبناء الدولة لا يقتصر على إعادة الإعمار المادي ، بل يشمل إعادة بناء المؤسسات على أسس الشفافية وسيادة القانون وإصلاح الأجهزة الأمنية وضمان استقلالية القضاء ومحاربة الفساد ، فالأهم من كل ذلك استعادة ثقة المواطن بالدولة ، وهذا لا يتحقق إلا من خلال العدالة الانتقالية ، وكشف الحقائق ، ومحاسبة المسؤولين على الانتهاكات بما يضمن عدم تكرارها ..
إن الانتقال من الصراع إلى بناء الدولة في سوريا هو مسار طويل ومعقد لما عانى منه الشعب في ظل أنظمة ديكتاتورية وقمعية مما خلق حالة نفسية معقدة لدى كافة الفئات ، وترويضها على التمييز العرقي والمذهبي ، والخوف من الوقوع بنفس الفخ ، وكأنها ردود فعل عادلة للمعاملة بالمثل ، وهذا يتطلب تأهيل المجتمع إلى القبول بالرأي الآخر والتفاعل معه لمصلحة البلد ، كما يتطلب توازنا دقيقا بين الوحدة والتنوع ، ورغم التحديات الكبيرة ، فإن وجود إرادة سياسية حقيقية مدعومة بتوافق مجتمعي ورعاية دولية متوازنة ، يمكن أن يفتح الباب أمام مستقبل أكثر استقرارا وعدلا ، لإعادة الثقة لبناء مجتمع دولة متكاملة..