المرسوم 13: اعتراف شكلي أم التفاف دستوري على الحقوق الكوردية؟

حسن قاسم
في خضم التحولات السياسية التي تعيشها سوريا، جاء المرسوم رقم (13) الصادر عن رئيس السلطة الانتقالية أحمد الشرع ليُقدَّم بوصفه خطوة إيجابية تجاه الكورد. وللوهلة الأولى، يبدو أن هذا المرسوم يحمل تحولاً في الخطاب الرسمي، من الإنكار إلى الاعتراف، عبر التأكيد على أن الكورد جزء أصيل من الشعب السوري، مع الإقرار بحقوقهم الثقافية واللغوية. غير أن القراءة المتأنية تكشف أن ما يُقدَّم على أنه إنجاز، لا يتجاوز في جوهره حدود الاعتراف الشكلي، بل قد يشكل التفافاً دستورياً ناعماً على جوهر القضية الكوردية.
أول ما يلفت الانتباه هو أن المرسوم يكتفي بمنح الكورد حقوقاً ثقافية، متجنباً بشكل واضح أي اعتراف سياسي بهم كقومية أو كشعب له حقوق جماعية. وهذا ليس تفصيلاً لغوياً، بل جوهر القضية. فاختزال الكورد في إطار “مكوّن ثقافي” يعني عملياً نزع البعد السياسي عن قضيتهم، وتحويلها من قضية شعب يطالب بحقوقه القومية إلى مجرد مسألة تنوع ثقافي يمكن احتواؤه ضمن الدولة المركزية.
الأخطر من ذلك أن هذه الحقوق جاءت مشروطة بعبارات فضفاضة مثل “وحدة الدولة” و”السيادة الوطنية”. وهذه الصياغات، رغم أنها تبدو بديهية، تحمل في طياتها خطراً كبيراً، إذ يمكن استخدامها لاحقاً كأداة دستورية لرفض أي مطالب حقيقية تتعلق باللامركزية السياسية أو الفيدرالية. بمعنى آخر، يتم منح الحقوق بيد، وتقييدها باليد الأخرى.
كما أن المرسوم يعاني من غياب واضح لأي آليات تنفيذية ملزمة. فلا توجد نصوص تحدد كيفية تطبيق الحقوق الثقافية أو اللغوية، ولا مؤسسات ضامنة لها، ولا حتى جداول زمنية لتنفيذها. وهذا يضعه في خانة البيانات السياسية أكثر منه في إطار النصوص الدستورية الملزمة. والتجربة السورية، كما يعرف الجميع، مليئة بالنصوص الجميلة التي لم تجد طريقها إلى التطبيق.
وفي السياق ذاته، يغيب عن المرسوم أي اعتراف باللغة الكوردية كلغة رسمية أو شبه رسمية، ما يعني أن استخدامها سيبقى محصوراً في الإطار الثقافي أو التعليمي، دون أن يصل إلى مؤسسات الدولة أو القضاء أو الإدارة. وهنا تتجلى إحدى أهم الثغرات، إذ لا يمكن الحديث عن حقوق لغوية حقيقية دون منح اللغة موقعاً سيادياً داخل الدولة.
ولا يقل خطورة عن ذلك تجاهل المرسوم لمعالجة الجذور التاريخية للقضية الكوردية، مثل قضية مكتومي القيد ونتائج الإحصاء الاستثنائي لعام 1962، وما ترتب عليه من حرمان عشرات الآلاف من الكورد من حقوقهم الأساسية. فبدلاً من تقديم حلول واضحة ومحددة، يترك المرسوم هذه الملفات مفتوحة، وكأنها تفاصيل هامشية وليست جوهر المأساة.
أما على الصعيد السياسي، فإن المرسوم يخلو تماماً من أي ضمانات لتمثيل الكورد في مؤسسات الدولة أو مشاركتهم في صنع القرار. فلا حديث عن نظام حصص، ولا عن شراكة في السلطة، ولا عن إعادة توزيع للصلاحيات. وهذا يعني أن الاعتراف بالهوية لا يتبعه تمكين سياسي، وهو ما يجعل هذا الاعتراف ناقصاً، إن لم يكن فارغاً من مضمونه.
ويزداد هذا القلق إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن المرسوم صدر في ظل سلطة انتقالية، أي أنه يفتقر إلى الاستقرار الدستوري. فالسلطات الانتقالية بطبيعتها مؤقتة، وقراراتها قابلة للتغيير أو الإلغاء مع أي تحول سياسي. وبالتالي، فإن الحقوق التي لا تُحصَّن ضمن دستور دائم، تبقى عرضة للتقلبات السياسية.
في المحصلة، يمكن القول إن المرسوم رقم (13) يمثل خطوة شكلية إلى الأمام، لكنه في العمق يعيد إنتاج المشكلة بصيغة جديدة. فهو ينقل الكورد من مرحلة الإنكار الصريح إلى مرحلة الاعتراف المقيد، دون أن يصل إلى مستوى الشراكة الحقيقية في الدولة. وبين الاعتراف والحقوق مسافة كبيرة، وهذه المسافة لا تُردم بالتصريحات، بل بالضمانات الدستورية الواضحة.
إن القضية الكوردية في سوريا ليست قضية لغة أو ثقافة فحسب، بل هي قضية شعب يسعى إلى الاعتراف بوجوده السياسي وحقوقه القومية ضمن دولة ديمقراطية لامركزية. وأي محاولة لتجاوز هذا الواقع عبر نصوص عامة ومبهمة، لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة، وربما تعميقها.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إصدار المراسيم، بل في بناء عقد دستوري جديد يعترف بالكورد كشريك حقيقي في الوطن، لا كمجرد مكوّن ثقافي على هامش الدولة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان من المؤسف أن يظهر بيننا اليوم بعض الكتبة حديثي العهد ممن يتعاملون مع تاريخ الكتابة والإبداع الكوردي وكأنه بدأ معهم، فيسارعون إلى التشكيك في إنتاج كتاب ومفكرين وأكاديميين كورد، وكأن ما سبقهم لم يكن موجوداً، أو كأن الكتابة لم تكن لها أثمانها في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي، ولا الذكاء الاصطناعي، ولا تلك المساحات…

علي جزيري يُضفي الموقعان الفلكي والجغرافي أهمية جيوبولوتيكية على بلاد الكرد؛ وتضفي مساحتها التي تناهز مساحة فرنسا القارية، وتركيبها الجيولوجي، ووقوعها في قلب الشرق الأوسط أهمية استراتيجية بالغة، ولاسيما أنها تطفو على بحر من النفط والغاز، وكانت تمرُّ فيها قديماً طرق (الحرير البرية القادمة من الصين، والتوابل من الهند، والبخور من شبه الجزيرة العربية متجهة نحو البحر المتوسط وأوروبا)، إضافة…

عمر كوجري / رئيس تحرير صحيفة كوردستان تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 من قبل مجموعة من المثقفين الكورد والأتراك، وكان هدفه الأساسي والرئيسي وقتذاك (تحرير وتوحيد كوردستان) ولأنه جاء، وتأسس بهدف دسم وقوي، فقد استطاع أن يكوّن أرضية قوية وصلبة من المؤيدين، وخاصة فئة الشباب آنذاك استفاد الحزب بطبيعة الحال من الوضع السياسي غير المستقر والمتأزم للحركة السياسية الكوردية…

كۆهدرز تمر إن مصائر الشعوب، ودماء أبنائها، وقضاياها الوطنية ليست مجرد حقول تجارب للأفراد أو الأحزاب أو التنظيمات؛ بل هي أمانة تاريخية كبرى تثقل كواهلهم. لذا، واستناداً إلى الأعراف السياسية والأخلاقية، نرى لزاماً على القيادات التي تفشل في تحقيق طموحات شعوبها وأنصارها أن تتحلى بجرأة الاستقالة والاعتذار أمام الشعب والتاريخ. إن جرَّ شعبٍ بأكمله لعقود من الزمن تحت بريق…