خالد جميل محمد
قَبلَ أيامٍ، بدأتُ بقراءةِ الأسطر الأولى من الصفحةِ التاسعةِ والخمسينَ من كتاب عمري، بفاتحةٍ عن نوائبَ قديمة ومصائبَ جديدةٍ، تضافُ إلى رصيد تجربتي في حياة شهدَتْ كلّ أنواع الخذلان واللاأمل في إصلاح أعطاب الواقع الثقافي والأدبي واللغوي وتصحيحها وتصويبها وعلاج آفاتِها، واثقاً، بلا رَيبٍ، من أنَّ تلك النوائبَ والمصائبَ سوف تتواصل بعد رحيلي الأبديّ، عشراتِ العقودِ من السنينَ القادمةِ، دون أن يكون حرصُ أمثالي المتألّمين ممّا آلتْ إليه أحوالنا الثقافية واللغوية والأدبية والإعلامية من تُرَّهاتٍ وكوارثَ وتصدُّعاتٍ وكسورِ وانكساراتٍ وهزائمَ، قادراً على كبحِها أو تشخيصها أو نقدها كما يوجبُ منطقُ العقلِ وصوابُ التفكيرِ، ودون أن يكون ذلك الحرصُ قادراً على تفعيل الحلول التي يطرحها لمعالجة آفاتٍ تَكتسحُ النتاجاتِ اللغويةَ والأدبيةَ والإعلاميةَ، في مجتمعاتِنا المنكوبة المهدورةِ الكرامة والشخصية، على أيدي صانعي الخراب، بمشاركة منتجي (إبداع) ليس بإبداع، وأدب ليس بأدب، بل يخجل منه الفِكرُ القَوِيمُ والنقدُ السليمُ والصادقُ ذو العقلِ العليمُ.
على صعيد الفكر والثقافة والإعلام والصحافة (المرئية، والمسموعة، والمقروءة)، والأدب (الشعر، والقصة، والرواية، والمقالات..)، واللغة (الإملاء، والصرف، والنحو، والبلاغة، والتأليف المعجمي)، تعوَّدتُ أن أكون متأنِّياً وأكثرَ ضبطاً لنفسي، وألّا أتسرَّع في إطلاق أحكامي النقدية التي تعبِّر عن رؤيتي وفهمي وشخصيتي، في إطارِ معارفي وعلمِيَ ومعلوماتِيَ، توافقاً مع أدنى درجات إمكانية قبول ما يُنتجه معظمُ (مبدعي) ساحتنا الراهنة وقبل الراهنة، ممّن يخدعون أنفسهم ويختالون الآخرين، بأن هناك جمهوراً يرضى عمّا يقدّمون من (نتاجاتٍ) أراها خاويةً شكلاً ومضموناً وأسلوباً ولغةً وتماسُكاً وترابطاً، ولا أرى فيها سوى ضروب من هرطقاتٍ وهذياناتٍ وهلوساتٍ يتعذر على الصادق مع ذاتِه أن يَقْبَلَها أو يتقبَّلها على أنها (إبداع)، في عالمٍ بات يفتقر إلى إبداعٍ حقيقي فعلاً يقابله نقدٌ حقيقيٌّ فعلاً.
قبلَ أن أنتقلَ تالياً إلى شرحِ معاناتي في مواجهة (المبدعين)، و(المبدعات)، المَعْنِيِّينَ والمَعْنِيّاتِ، الأحياءِ منهم والأموات، ممَّن هُمُ مَقصُودونَ بهذا النقد، أريد الإشارة إلى مسألة معروفة في ساحتنا (الإبداعية) التي تنتهكها نتاجاتٌ هزيلة خاويةٌ وركيكة، وهي أنّ أيَّ شخصٍ مَعْنيٍّ حقيقةً بهذا النقدِ، يقرأ هذا المقال، سيُعِدُّ نفْسَه غيرَ معنيٍّ بالأمر، وقد يُبدي موقفاً يُظهِر فيه أنه ليس هو المقصودَ بالحكم، بل غيرُه، وقد يقول أيضاً: “لقد أصبتَ كبدَ الحقيقة”(!)، دون أن يمتلك جرأة الاعتراف بأنه هو المقصود حقيقةً، وكأنَّ الأمر لا يشمله، وبذلك يكون كلُّ معنيٍّ بالموضوع خارجَ إطار الحكم، وهكذا تستمر الحركة الدائرية دون علاج لجوهر المشكلة وهذا المرض العُضال.
أنا القارئ المتلقي، قبل أن أكون غير ذلك، من المؤكد أني أقدّر الأصدقاء والمقرَّبين والمبدعين الحقيقيين، ولا أريد أن أخسرهم، لكني أعلن أني مللتُ كثيراً من أساليب المراوغة في إطلاق الأحكام النقدية على ما لا يستحق النقد، ومللت من العدول عمّا يجب أن يقال بوضوح وصراحة دون أيّ مواربة أو احتيال تعبيري إو إيمائي، ودون أيِّ تجريح أيضاً، كأن أقول لصديقي الشاعر: “يا صديقيَ الشاعر! يا صديقيَ الشاعر! ما تكتبه وتسمّيه شِعراً، ليس بشعر. ما تكتبه هو كلام كأيِّ كلام، فأنت، يا صديقيَ الشاعر، قريبٌ إلى ممارسة رياضة شدِّ الحبل أكثر من قُربك من هذا الفنّ الجميل (الشِّعر) الذي يحتاج إلى الموهبة وإلى تبحُّرٍ شديدٍ جداً في الثقافة واللغة والأساليب والمعارف..”، وأن أقول لصديقتي الروائية: “يا صديقتي الروائية! يا صديقتي الروائية! أنتِ تحتاجين إلى دورات مكثَّفة في الإملاء والتعبير، وإلى أكداسٍ من المعارف والعلوم النفسية والاجتماعية والأدبية والفكرية والفلسفية والسَّردية، حتى تكوني قادرة على الاكتفاء بقراءة رواية وفَهمِها جيداً، فما بالك، يا صديقتي الروائية، بتأليف رواية! فضلاً عن ضرورة امتلاك أدوات بناء الرواية وصياغتها والإبداع فيها”.
في سياق هذه الصراحة المُرّة، أجدني أمام واجب أخلاقي أن أكون صريحاً أيضاً، وأقول: “يا زميلي الإعلامي! ويا زميلتي الإعلامية! مهمّتُك، في منبرك الإعلاميّ، هي نقلُ محتوى خبريٍّ يعكِسُ طبيعةَ الحدث، لا طبيعتَك أنت، فالرجاء ثم الرجاء، ثم الرجاء ثم الرجاء، نحن نحتاج إلى معرفة محتوى الأخبار لا إلى معرفة مشاعر وأفكار ومواقف ناقليها وحكاياتهم الخاصة بهم”، كذلك أجد نفسي، مضطراً لأن أقول: “يا صديقي الكاتب! أرجوك، ثم أرجوك، كن صادقاً مع نفسك، واعترف بأنك تعتدي على (صنعةٍ) ليست لك، وأنت لستَ أهلاً لها، ولا هي تليق بك، فاتركها والتفتْ إلى ما هو أنفع لك وللآخرين، حتى لا تخسر من يصارحك بحقيقتك الموجِعة”، فتنعتُه بالوقاحة، والتطاول أو بالعهر والدناءة، لأنه وضع مرآةً صافية أمامك.. فهكذا، وبهذه الحالة والمعاناة، طوال سنوات عمري، أربح خسارة كثيرٍ من (المبدعين).