شــــريف علي
ليست كوردستان مجرد مساحة جغرافية متنازع عليها، بل هي عقدة ارتكاز جيوسياسية واقتصادية تجعل من أي محاولة للالتفاف عليها مشروعًا محكومًا بالفشل على المدى الاستراتيجي. فالموقع الذي تحتله هذه المنطقة في قلب الشرق الأوسط، بين تركيا والعراق وسوريا وإيران، يمنحها وظيفة تتجاوز حدودها السياسية لتصبح معبرًا حتميًا للطاقة والتجارة والنفوذ
من هنا، فإن الحديث عن إمكانية فرض عزلة اقتصادية على إقليم كوردستان عبر فتح ممرات بديلة أو إعادة رسم خطوط النقل الإقليمي،على ضوء مشروع الرئيس التركي السابق عبدالله كول ( مشروع البحار الأربعة ) والقاضي بربط العراق بتركيا عبر البر السوري خارج المناطق الكوردستانية لفتح طريق يصل الخليج ببحار المتوسط والاسود وقزوين، يصطدم بحقائق الجغرافيا قبل أن يصطدم بالإرادة السياسية.
فالممرات التجارية لا تُبنى فقط بقرار سياسي، بل تحتاج إلى بيئة مستقرة، وتكلفة تشغيلية منخفضة، وضمانات أمنية طويلة الأمد، وهي عناصر لا يمكن تحقيقها بسهولة في مسارات بديلة تتجاوز كوردستان دون أن تدفع أثمانًا مضاعفة. وتشير البيانات الرسمية إلى أن خط أنابيب كوردستان–تركيا ينقل ما يقارب 200 ألف برميل يوميا من النفط العراقي، وبلغ حجم التجارة بين العراق وتركيا في النصف الأول من عام 2025 نحو سبعة مليارات دولار وأن القسم الاكبر منه يمرعبرمعبر إبراهيم الخليل في إقليم كوردستان،وهو رقم يعكس حجم الاعتماد الفعلي على الممرات التي تمر عبر الإقليم، ويؤكد أن تجاوزه ليس مجرد قرار سياسي بل مخاطرة اقتصادية ولوجستية عالية الكلفة.
المحاولات التركية والعراقية والسورية لتطويق الإقليم اقتصاديًا، عبر مشاريع نقل أو طاقة بديلة، تندرج ضمن استراتيجية ضغط سياسي تهدف إلى إعادة تشكيل القرار الكوردي بما يتماشى مع الرؤية الإقليمية الرافضة لأي مشروع كوردي مستقل أو حتى شبه مستقل- مشروع الدولة العميقة في تركيا والتي تحاول تمريره عبر المعارض التركي دولت باخجلي – لكن هذه المحاولات تصطدم بحقيقة أن كوردستان ليست مجرد طرف، بل هي جزء من البنية التحتية الإقليمية، سواء في ما يتعلق بخطوط النفط أو طرق التجارة البرية التي تربط الخليج بأوروبا.
في المقابل، يبرز مشروع ما يُعرف بـ”ممر داوود” كأحد التعبيرات عن رؤية جيوسياسية مضادة، والمدعوم من الولايات المتحدة وإسرائيل وحتى الغرب الأوربي ، ويهدف إلى إعادة تشكيل خريطة الممرات الاقتصادية في المنطقة بطريقة تتقاطع مع المصالح الكوردية. هذا المشروع، سواء تحقق بصيغته الكاملة أو الجزئية، يعكس إدراكًا دوليًا متزايدًا بأن كوردستان تمثل نقطة ارتكاز لا يمكن القفز فوقها.
الأخطر في المشهد هو التداخل بين هذه المشاريع الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية الكبرى، خصوصًا ما يتعلق بموقع حلف الناتو ودور تركيا داخله. فثمة مؤشرات على أن واشنطن ومعها الاتحاد الأوربي تسعى- بشكل تدريجي- إلى إعادة ضبط العلاقة مع أنقرة، ليس بالضرورة عبر إخراجها المباشر من الحلف، بل عبر تقليص دورها الاستراتيجي وتحييدها في ملفات حساسة.
هذا التوجه يرتبط جزئيًا بالخشية من تصادم مستقبلي محتمل بين تركيا وإسرائيل، في ظل تضارب المصالح في أكثر من ساحة إقليمية. وفي حال تحقق مثل هذا السيناريو، فإن الولايات المتحدة قد تجد نفسها مضطرة للوقوف بشكل مباشر إلى جانب إسرائيل، ما يعني عمليًا إعادة ترتيب الأولويات داخل الناتو، وربما إعادة تعريف دور تركيا فيه.
ضمن هذا السياق، تتحول كوردستان إلى عنصر توازن حاسم. فهي ليست فقط عقدة جغرافية، بل أيضًا ورقة سياسية يمكن أن ترجح كفة أحد المحاور. فكلما ازدادت الضغوط الإقليمية لعزلها، ازدادت أهميتها في الحسابات الدولية، وكلما حاولت الدول المحيطة تجاوزها، عادت لتفرض نفسها كضرورة لا يمكن الاستغناء عنها.
وعند النظر إلى المشاريع الإقليمية التي تحاول تجاوز كوردستان أو الالتفاف عليها، يتضح أنها تشترك في مشكلات بنيوية تجعلها غير قابلة للحياة على المدى الطويل. تجاهل الجغرافيا، وغياب الاستقرار، والدوافع السياسية التي تتغلب على الجدوى الاقتصادية، ما يجعلها مشاريع قصيرة النفس قابلة للانهيار عند أول اختبار جدي. ولهذا ستظل هذه المبادرات محكومة بالفشل البنيوي مهما حظيت بدعم سياسي مؤقت، لأنها ببساطة تتناقض مع منطق الجغرافيا ومعايير الاقتصاد ومع حقائق الميدان.
وفي ضوء هذه التحولات، نجد أن القيادة الكوردستانية تتعامل مع موقع الإقليم بوصفه رأس مال استراتيجي لا مجرد معطى جغرافي. وتسعى لتوحيد القرار الاقتصادي والسياسي، وتعزيز البنية التحتية العابرة للحدود، وتطوير سياسة خارجية مرنة تستثمر التوازنات الدولية بدل أن تتأثر بها. وقد أثبتت التجربة أن الدور الذي لعبه الرئيس مسعود بارزاني في حماية استقرار الإقليم ومنع انزلاقه إلى الفوضى كان عنصرًا حاسمًا في إبقاء كوردستان شريكًا موثوقًا في معادلات المنطقة، وفاعلًا قادرًا على امتصاص الأزمات بدل أن يكون ساحة لها. إن استمرار هذا النهج القيادي، القائم على إدارة التوازنات بحكمة وتثبيت الاستقرار الداخلي، يمثل شرطًا أساسيًا لتحويل الجغرافيا الكوردية من حقيقة ثابتة إلى قوة تفاوضية مؤثرة في محيط مضطرب.
أن كوردستان لم تعد مجرد ملف إقليمي محدود بسياقاته المحلية، بل أصبحت جزءًا من شبكة أوسع من الحسابات الدولية التي تشمل استراتيجية الطاقة الأوروبية، والتوازنات الأمريكية في الشرق الأوسط، واحتمالات التصادم التركي–الإسرائيلي، إضافة إلى دورها في معادلة احتواء النفوذ الإيراني. هذا التشابك يجعل الإقليم عنصرًا لا يمكن فصله عن هندسة الأمن الإقليمي والدولي، ويمنحه موقعًا يتجاوز حجمه الجغرافي والديمغرافي. فالدول الكبرى تنظر إلى كوردستان باعتبارها نقطة ارتكاز يمكن الاعتماد عليها، ومنصة نفوذ يمكن البناء عليها، وبديلًا استراتيجيًا محتملًا في حال تغيّر دور تركيا داخل منظومة التحالفات الغربية. ومن هنا يتولد هامش مناورة دولي واسع، لا بد من استثماره بذكاء سياسي ورؤية بعيدة المدى.
——–10 نيسان 2026 ———