دماء الأبرياء لا تُغطّيها الشعارات

خالد حسو

 

ما يثير الألم العميق ليس فقط ما تتعرض له بعض الشعوب والمناطق من صراعات متكررة، بل ذلك الثمن الباهظ الذي يدفعه المدنيون الأبرياء في كل مرة، حين تتحول بيوتهم الآمنة إلى ساحات موت، دون أن يكون لهم أي علاقة بقرارات الحرب أو السياسة.

إن ما يشهده إقليم كردستان العراق من حوادث قصف وهجمات بطائرات مسيّرة من قبل النظام الملالي الفاشي في إيران  والحشد الشعبي الارهابي في بعض القرى والمناطق، يخلّف في كل مرة مأساة إنسانية عميقة، تطال عائلات كاملة داخل منازلها، وتحوّل لحظات الحياة العادية إلى فاجعة لا تُنسى.

وفي بعض هذه الحوادث، استُهدفت عائلات أثناء نومها، ما أدى إلى سقوط ضحايا من الأب والأم، وترك أطفال صغار في مواجهة اليُتم والصدمة في لحظة واحدة، بلا ذنب سوى أنهم وُجدوا في المكان الخطأ.

طفلتان صغيرتان، بعمر ٥ و٣ سنوات، وجدتا نفسيهما يتيمتين بعد حادثة قصف طالت قرية في محيط أربيل، لتبدأ حياتهما من لحظة فقد لا تُمحى.

اليوم في المقبرة…

سُئلت إحداهما: ماذا تريدين يا عزيزتي؟

فأجابت بصوت بريء يختصر كل الألم:

لا أريد شيئًا… فقط أمي وأبي.

مشهد يفوق الوصف، يختصر حجم الكارثة الإنسانية حين يُنتزع الأمان من حياة الأطفال في لحظة واحدة، وتُترك الطفولة لمواجهة الفقد وحدها.

إن استهداف المدنيين بهذه الصورة، أياً كانت خلفياته أو سياقه، يشكّل انتهاكًا صارخًا لكل القيم الإنسانية والقوانين الدولية التي تؤكد على حماية الأبرياء وعدم الزج بهم في دوامة الصراع.

إن دماء الأبرياء لا يمكن أن تُخفى خلف الشعارات أو التبريرات، بل تبقى شاهدًا حيًا على حقيقة ما يحدث، وعلى حجم الألم الذي يدفعه من لا علاقة لهم بالصراع.

وخلاصة القول، إن أي موقف لا يضع الإنسان وكرامته في مركزه الأول، يبقى موقفًا ناقصًا مهما كانت مبرراته، لأن الإنسان يظل القيمة التي لا يجوز تجاوزها تحت أي ظرف.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

مروان سليمان تتحول الإنقسامات في سوريا من الظواهر المتفرقة في عهد النظام البائد إلى إنقسام منظم تعيد تشكيل الفرد و المجتمع و السلطة مع بعضهم البعض و لم يسأل أحد نفسه كيف يمكن التعايش في ظل هذه الأجواء المشحونة و الإنقسام الموروث و النتيجة الواضحة هو أنه لم يعد هناك إختلاف بل رفض المختلفين كلياً و عدم إعطائهم مساحة للتعبير…

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…