عزالدين ملا
يحلّ شهر آذار في الذاكرة الكردية لا كفصل عابر من تقويم الزمن، بل كطبقة كثيفة من المعنى، تختلط فيها التجربة التاريخية بالهوية، ويتقاطع فيها الألم مع الأمل، والانكسار مع إرادة الاستمرار. إنه شهر لا يُستعاد بوصفه ماضياً فقط، بل يُعاش كحاضر دائم في الوعي الجمعي حيث تتجاور صور المآسي الكبرى مع لحظات النهوض المتكررة. وفي قلب هذا التراكم الرمزي يبرز نوروز لا كعيد تقليدي بل كصيغة مكثفة لفلسفة البقاء الكردية؛ استعارة حيّة لجدلية السقوط والانبعاث ورمزٌ لتاريخ شعبٍ قاوم التهميش ورفض أن يُختزل في جغرافيا منقوصة أو في خطاب سياسي صامت.
غير أن نوروز هذا العام يخرج من إطاره الرمزي المعتاد ليدخل فضاءً سياسياً أكثر تعقيداً، في ظل التحولات العميقة التي تشهدها سوريا بعد انهيار بنية الاستبداد والإجرام البعث الأسدي التي حكمت البلاد لعقود طويلة. فحين يتحول هذا العيد الذي كان يُنظر إليه بريبة أو يُحاصر بقيود أمنية إلى مناسبة تحظى باعتراف رسمي، فإن المسألة تتجاوز حدود الإجراء الشكلي لتلامس سؤالاً بنيوياً حول طبيعة الدولة السورية الجديدة. إن هذا التحول، في دلالته الأعمق لا يتعلق فقط بحرية الاحتفال بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومكوناتها، وبإمكانية الانتقال من نموذج الدولة الأحادية المغلقة إلى نموذج الدولة التعددية التي ترى في تنوعها مصدر غنى لا تهديداً وجودياً.
لكن هذا التحوُّل الرمزي على أهميته لا يمكن عزله عن اختباراته السياسية الفعلية. فالاعتراف بالرموز الثقافية مهما بلغ من دلالة يظل محكوماً بسقف الرمزية ما لم يتحول إلى سياسات عامة راسخة تعيد توزيع الاعتراف داخل بنية الدولة. التعددية في معناها العميق لا تُقاس بعدد المناسبات التي تُدرج في الروزنامة الرسمية بل بمدى انعكاسها في الدستور وفي طبيعة النظام السياسي وفي آليات صنع القرار وفي عدالة توزيع السلطة والثروة. من هنا، يمكن قراءة نوروز بوصفه مدخلاً رمزياً ضرورياً لكنه غير كافٍ، إذ يحتاج إلى أن يُستكمل بمسار سياسي وقانوني يكرّس هذا الاعتراف في بنية الدولة لا في هامشها.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال الإرادة السياسية بوصفه العقدة الأكثر حساسية وتعقيداً. فهل يعكس هذا الاعتراف تحوّلاً حقيقياً في وعي النخب الحاكمة أم أنه جزء من تكتيك مرحلي تحكمه ضرورات التوازنات الداخلية والخارجية؟ الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تُستمد من الخطاب السياسي وحده بل من سلوك الدولة في الملفات الأكثر جوهرية، مثل اللامركزية والاعتراف الدستوري بالتعدد القومي وضمان المشاركة السياسية الفعلية. فإذا بقي نوروز حدثاً معزولاً في سياق لا يتغير فإنه يتحول إلى مجرد أداة تزيينية تخفف من حدّة التوتر دون أن تعالجه. أما إذا تلاه مسار إصلاحي متكامل فإنه يغدو لحظة تأسيسية في إعادة صياغة الدولة السورية الحديثة.
في المقابل، لا تبدو المسؤولية محصورة في سلوك الدولة وحدها بل تمتد لتشمل الفاعل الكردي ذاته. فالتعامل مع الاعتراف بنوروز كغاية بحد ذاته ينطوي على مخاطر سياسية، لأنه يختزل القضية الكردية في بعدها الرمزي ويؤجل استحقاقها السياسي. التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه اللحظة إلى نقطة ارتكاز لبناء مشروع سياسي متماسك، قادر على ترجمة الرمزية إلى حقوق دستورية ومؤسساتية. وهذا يفترض قبل كل شيء إعادة بناء وحدة الموقف الكردي على أسس واقعية، تتجاوز الانقسامات التقليدية، وتنتقل من منطق التنافس الداخلي إلى منطق الشراكة في صياغة الرؤية.
وفي بعدٍ أوسع، يفرض هذا التحول ضرورة إعادة تموضع القضية الكردية داخل الإطار الوطني السوري، بحيث لا تُطرح كملف خاص أو معزول بل كجزء من مشروع ديمقراطي شامل يعيد تعريف الدولة على أسس المواطنة والتعددية. فالقضية الكردية في جوهرها ليست اختباراً لحقوق الكورد فقط، بل اختبار لقدرة سوريا على التحول إلى دولة حديثة تحتضن جميع مكوناتها دون استثناء. ومن هنا، فإن بناء تحالفات عابرة للهويات الضيقة يصبح شرطاً أساسياً لترجمة أي مكسب رمزي إلى تغيير سياسي مستدام.
إن الطريق نحو هذا التحول لا يخلو من تعقيدات بنيوية عميقة. فإرث انعدام الثقة المتراكم عبر عقود من السياسات الإقصائية لا يمكن تجاوزه بسهولة، بل يحتاج إلى عملية طويلة من إعادة بناء الثقة، تقوم على خطوات ملموسة لا على إشارات رمزية فقط. كما أن تشابك العوامل الإقليمية والدولية في الملف السوري يفرض قيوداً إضافية على هامش القرار الوطني، ما يجعل أي تحول داخلي عرضة للتأثيرات الخارجية. وإلى جانب ذلك، لا تزال الهواجس المتبادلة بين المكونات السورية تشكّل عائقاً أمام بناء عقد اجتماعي جديد، ما يتطلب خطاباً سياسياً أكثر صراحة وشجاعة في مواجهة هذه المخاوف بدل تجاهلها.
الدولة التي تحتفي بالتنوع في رموزه، لكنها تحجبه في مؤسساتها، تعيد إنتاج الإقصاء بأدوات أكثر نعومة، لكنها لا تقل خطورة. لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في لحظة الاحتفال بل فيما بعدها، في القدرة على تحويل الاعتراف إلى التزام والرمز إلى نص دستوري والمناسبة إلى قاعدة في العقد الاجتماعي الجديد.
في هذا المعنى، يقف نوروز اليوم عند مفترق طرق تاريخي، يتجاوز كونه مناسبة احتفالية ليصبح سؤالاً سياسياً مفتوحاً على احتمالات متعددة. فهو يحمل في طياته ذاكرة الألم الكردي، لكنه في الوقت ذاته يفتح نافذة لإعادة تخيل المستقبل السوري. غير أن هذه النافذة بكل ما تحمله من إمكانات تبقى رهناً بمدى القدرة على استثمارها سياسياً.
إن السؤال الذي يطرحه نوروز في هذه اللحظة ليس سؤال الاعتراف بالكورد فحسب، بل سؤال تعريف الدولة نفسها، هل تتجه سوريا نحو إعادة إنتاج نموذجها القديم بصيغ جديدة؟ أم أنها تملك الشجاعة لإعادة تأسيس ذاتها كدولة لجميع أبنائها، قائمة على الاعتراف بالتنوع بوصفه قاعدة للوحدة لا تهديداً لها؟ في الإجابة عن هذا السؤال، يتحدد مصير نوروز ذاته، إما أن يبقى لحظة احتفال عابرة في ذاكرة مثقلة أو أن يتحول إلى بداية فعلية لولادة وطن جديد، وطن لا يُخفي تعدديته، بل يجعل منها أساساً لشرعيته ومستقبله.