هل التغيير في ايران يخدم مصالح شعوب المنطقة ؟

صلاح بدرالدين

صحيح ان نظام الشاه شكل جزءا من السياسة الغربية بالمنطقة ضد مصالح الدول الاشتراكية سابقا وفي مواجهة قضايا الحرية والديموقراطية وحقوق الشعوب بالداخل الايراني، واطلق عليه شرطي الخليج، ولكنه لم يركب الموجة المذهبية الايديولوجية، ولم يصدر الثورة لخارج ايران بل كان يخشى ثورة الايرانيين. ولكن النظام الاسلامي السياسي الشيعي الذي كرسه الخميني منذ ثورته على نظام الشاه عام 1979، بدأ بالاعداد لبناء منظومة عسكرية امنية ايديولوجية مذهبية شيعية في غاية التطرف، واقامة شبكات مماثلة على امتداد التواجد الجغرافي الشيعي في بلدان الشرق الاوسط من العراق مرورا بسوريا ولبنان وانتهاء باليمن، وذلك اعتمادا على الموارد النفطية الهائلة، ثم تنظيم تحالفات مع مجاميع من الاسلام السياسي السني بدءا بجماعات الاخوان المسلمين التي شكلت حركة حماس احدى اجنحتها السياسية العسكرية، وكان للكرد نصيب في هذا المحور الايراني السوري بعهد الاسد وما سمي بمحور الممانعة والمقاومة عبر مركز قنديل لحزب العمال الكردستاني ب ك ك.

مخاطر صعود الشيعية السياسية

بدأ نظام الجمهورية الايرانية الاسلامية ومنذ نحو اربعين عاما يتصدر الموقع الاكثر خطورة ليس على النظام العربي الرسمي او امنه القومي فحسب، بل على قوى وحركات الشعوب العربية وغير العربية في بلدان المنطقة، ومارست دور الهدم واثارة الفتنة وتقويض اسس الدول بالمنطقة وخلق تشكيلات ميليشياوية بدائل لسيادة الدول وقوانينها، واكثر من ذلك فقد وقف النظام الايراني ضد برامج ثورات الربيع بالمنطقة، كما اخترق العديد من الاحزاب الوطنية، وقام بدعم الردات المضادة داخل حركات التحرر، واستخدم المافيات العالمية في تجارة المخدرات، ونسج العلاقات مع اعتى الدكتاتوريات بالمنطقة والعالم.

متعهد الحروب بالوكالة

نال النظام الايراني طيلة اربعة عقود موقع الصدارة دون منازع في استخدام وكلاء ميليشياوية محلية للقيام بمهام عسكرية امنية تخريبية تجسسية بالنيابة عنه، وهو صاحب اليد الطولى في انتاج ظاهرة الحرب بالوكالة بالمنطقة في الحقبة الراهنة، والتسبب في اشعال الحروب وازهاق الارواح واحداث الكوارث، وتلطيخ شكل ومضمون العديد من القضايا العادلة الى مجرد حركات دينية مذهبية ارهابية عنصرية تمارس القتل لاسباب لا صلة لها بالتحرر كما حصل مع حركة حماس على سبيل المثال لا الحصر.

المخاطر كرديا

على صعيد الحركات الكردية فقد اخذ نظام الخميني ومنذ البداية الحركة الكردية في كردستان ايران هدفا اساسيا له، فشن حروبا ضد شعب كردستان كما قام بتصفية الدكتور عبد الرحمن قاسملو في العاصمة النمساوية، ثم خليفته بقيادة حزبه الدكتور شرفكندي ببرلين، واصدر الخميني فتواه الشهير لابادة الكرد، كما اتخذ منذ اليوم الاول موقفا عدائيا تجاه شعب كردستان العراق، وفي السنوات اللاحقة وحتى يومنا هذا يواصل عداءه وتنفيذ مخططاته العدوانية اما مباشرة او من خلال اذرعه من التنظيمات الارهابية في الحشد الشعبي لقصف وترهيب سكان الاقليم، واكثر من ذلك ما زال نظام طهران يمارس عمليات اختراق بعض الحركات واثارة الفتن الداخلية بالاقليم، واتخذ نظام طهران الموقف ذاته ضد الكرد السوريين في عهد نظام الاسد اعتمادا على وكيله في مركز قنديل، وما زال مستمرا في محاولات التخريب والابتزاز والعسكرة وتحريف مسار الحركة الكردية الوطنية السورية في مختلف المجالات، وهناك ملف كامل بهذا الخصوص يشمل اليوم الاول في احتضان نظام الاسد عبر الاخ الاكبر للدكتاتور المقبور جميل الاسد لعبدالله اوجلان، مرورا بالخمسة عشر عاما الاخيرة منذ اندلاع الثورة السورية، وانتهاء بالاعيب قسد الراهنة.

خصوصية الحرب الراهنة ضد نظام طهران

تختلف هذه الحرب التي يعتبرها المراقبون احدى معارك الحرب العالمية الثالثة عن سابقاتها من حيث القوى المشاركة ونوعية السلاح والاهداف، فالاطراف المعنية مباشرة هي اولا شعوب ايران، وثانيا بلدان وشعوب المنطقة وبالاخص في منطقة الخليج، وثالثا الولايات المتحدة الامريكية، ورابعا اسرائيل. هذه الاطراف جميعها مشاركة بشكل وآخر اما بالهجوم والردع في حالة امريكا واسرائيل او بالدفاع عن النفس عبر شل الهجمات الايرانية في حالة الدول المستهدفة من الصواريخ والمسيرات والانشطة الاستخباراتية الايرانية.

هذه الاطراف جمعاء لها مصالح مشتركة اما باسقاط النظام وايجاد البديل الديموقراطي في حالة شعوب ايران وبعض القوى بالمنطقة مثل اسرائيل وغيرها، او باضعافه وتجريده من السلاح النووي والصواريخ الباليستية وفك ارتباطه باذرعه الميليشياوية بالمنطقة وتبوؤ التيارات المعتدلة من صلب النظام مقاليد السلطة والقرار في حالة امريكا ومعظم النظام الرسمي الاقليمي والدول الاوروبية.

ومن ابرز خصوصيات هذه الحرب هو التناقض بالسياسات بين مختلف هذه الاطراف المعنية التي تشكل الجبهة المواجهة، وخصوصا بين الفاعل الرئيسي بالحرب اسرائيل من جهة ومعظم بلدان المنطقة المعنية، ونسبيا بعض الدول الاوروبية، وكذلك الامر البرود الحاصل في علاقات دول الناتو خصوصا بين الادارة الامريكية برئاسة ترامب وشخصيته الاشكالية ومعظم دول اوروبا الاعضاء في حلف الناتو، ويصب هذا الامر لمصلحة النظام الايراني الذي يسعى جاهدا لتعميق هذه الفجوات من جهة واستثمارها من الجهة الاخرى اعتمادا على الحليفين التقليديين روسيا والصين.

النظام الايراني هو السبب في كل كوارث المنطقة ولا بد من وضع حد لاعتداءاته وتدخلاته السافرة في شؤون الاخرين، ولا شك ايضا ان الحروب لن تخلف سوى المآسي، ومن مصلحة الاطراف الفاعلة والمشاركة التوافق على استراتيجية مشتركة لمعالجة الوضع بمختلف الوسائل الممكنة والاقل خسائر، للخلاص من هذا النظام المستبد او تصحيح مساره لمصلحة شعوب ايران اولا وآخرا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو تمرّ المنطقة اليوم بمرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية بشكل غير مسبوق، وتبرز تركيا كواحدة من أكثر الدول قلقًا من مآلات هذا المشهد المضطرب. هذا القلق لا ينبع فقط من تطورات خارجية مرتبطة بإيران أو التصعيد الدولي، بل يرتبط بشكل مباشر ببنية الدولة التركية نفسها وتركيبتها الداخلية المعقدة . تركيا، التي قامت على تاريخ مثقل بالصراعات…

عدنان بدرالدين لا تأتي فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» من فراغ، ولا تنتمي في الوقت نفسه إلى مرجعية واحدة مغلقة. فهي تتكوّن عند تقاطع أكثر من مسار فكري، يلتقي بعضها معها في نقاط حاسمة، بينما تفترق عنها في نقاط لا تقل أهمية. ومن هنا، قد يكون من المفيد، بعد الحلقات الأربع السابقة، أن نعود إلى بعض الخلفيات النظرية التي تساعد على…

د. محمود عباس هذا هو الاحتمال الأخطر فعلًا، ألا يريد ترامب حربًا شاملة، لكنه يدخلها بسبب خطأ في الحسابات. الوقائع الحالية توحي بأن ترامب يحاول تسويق حربٍ محدودة الأهداف، إضعاف إيران، ضرب قدراتها الصاروخية والنووية، ثم إعلان أن “الأهداف الاستراتيجية الأساسية” شارفت على الاكتمال، مع حديث متزامن عن خروج أمريكي “سريع نسبيًا” وإمكانية العودة للضرب عند الحاجة. لكن هذا النوع…

خالد بهلوي   الحكومة، بوصفها المتحكم الوحيد بقطاع الطاقة، تُعدّ أشبه بتاجرٍ محتكر، تتحكم بأسعار الكهرباء وساعات تشغيلها وتوزيعها كما تشاء ولمن تشاء. وهذا يتعارض مع هدف الدولة في تقديم خدمات عامة للشعب وكسب ثقته؛ إذ ينتظر المواطن أن يرى مقابل ما يدفعه تحسنًا في ساعات تشغيل الكهرباء، لا زيادةً في أسعار الفواتير. ومع ذلك، يضطر المواطن إلى شراء الكهرباء،…