صبري رسول
قراءة الرّسالتين التي وّجهها الزّعيم الكُردي الكبير مسعود بارزاني، وفيلسوف العصر عبدالله أوجلان إلى الكُرد.
لدى السّيد مسعود بارزاني همّ كبير، يسيطر على تفكيره، الهمّ القومي الكُردي، ولا تقف أمام عواطفه حدودٌ، ولا مسافات، لذلك يهنّئ الكُردستانيين في كردستان والشّتات ومن قلبه بعيدهم القومي المميّز.
«أود أن أهنئكم من أعماق قلبي بعيد نوروز، وأهنئ جميع الكوردستانيين الأعزاء في كوردستان وأوروبا والولايات المتحدة وفي كل بقعة من هذا العالم يعيش فيها الكورد.»
نوروز لأنّ نوروز بالنسبة له وللكُرد جمعياً ليس مجيء الرّبيع فقط، إنّما هو رمزٌ للحرية والتّجدد المستمرّ مع السنين، «هو بالنسبة للكوردستانيين رمز للانبعاث والحرية، وإشارة لبداية جديدة والنهوض والأمل وإشراقة يوم جديد».
يؤّكّد السيد البارزاني أنّ نوروز يجسّد طريق النّضال من أجل الحقوق القومية للكُرد أينما كانوا، كما يجسّد إرادة الكُردستانيين في النّضال من أجل الحرية، وهنا يُظهِر قوة الإرادة القومية لدى الكُردي، ومدى ارتباطه بحقوقه، والعمل لتحقيقها وفق تلك الإرادة التي لم تستطع أي قوة في التّاريخ على كسرها.
«نوروز هو أمل شعب لم يترك يوماً طريق النضال والمقاومة من أجل حقوقه وحريته». «رسالة للعالم أجمع بأن هذا الشعب يمتلك إرادته، وليس بمقدور أي عائق أو ظالم مستبد كسر تلك الإرادة».
هناك الهُويّة القومية يتعطّش الكُردي إليها، وهي التي تجمعُ الكُرد في الوطن والشّتات، فارتباطه بها يدفعُه إلى النّضال من أجل حرية وطنه، ويدفعه إلى الاحتفال بعيد نوروز، كرسالة قوية إلى العالم، تنمّ عن عشقه للوطن، ويُدركُ أنّ حريته من حرية هذا الوطن، لذلك يعشق الحرية، لأنّها تلبي طموحه في الحياة الكريمة. ولن يستطيع الكُرد العيش بحرية وكرامة إلا من خلال توحيد مواقفهم وكلمتهم، لذلك دعاهم إلى وحدة صفّهم من أجل هويتهم.
«تجمعنا رسالة أساسية واحدة، وهي الهوية الكوردية وحب الحرية […] يستطيعون بقلب واحد وصوت واحد الوقوف جنباً إلى جنب من أجل حقوقهم وهويتهم».
وبتجريته النّضالية الثّرية في منعطفات التّاريخ الصّعبة استنتج، كما الشرفاء كلّهم، أنّ العالم لن يقف إلى جانب الكُرد إلا إذا كانوا على قلب رجلٍ واحد، وأن يكونوا سنداً لبعضهم البعض. وإذا تفرّقوا كما حصل في مواقف ومعارك كثيرة، خسروا أنفسهم وخسروا أصدقاءهم أيضاً. رسالته واضحة وقوية، ودعوة سامية إلى توحيد كلمة الكُرد.
و«إذا أثبتنا وجودنا وكنا صفاً واحداً وسنداً لبعضنا البعض، فتأكدوا أن العالم سيكون صديقاً ومساعداً وداعماً لنا».
هناك مسألة في غاية الأهمية، تتعلّق بالكُرد في أوربا ودولٍ أخرى، هي الاهتمام بهويتهم في بلدان المهجر الأوربي، ودفعُ أولادهم إلى الارتواء من ثقافتهم ولغتهم، لربطهم بجذورهم الموغّلة في التاريخ، وبالتوازي مع هذا العمل يطالب الكرديَّ أن يكون مرآة صادقة لمجتمعه مع الالتزام بقوانين الحياة في البلاد التي قدّمت له الأمان والسّلام وحمتْه.
«أحثكم على عدم قطع صلة أبنائكم باللغة والثقافة الكوردية […] على كل كوردي يعيش في الخارج أن يكون سفيراً لائقاً لأمته […] أن يحترم القوانين والأنظمة في البلاد التي يعيش فيها والتي كانت بمثابة ملاذ آمن له لسنوات طويلة».
من زاوية أخرى يرى الرئيس البارزاني أنّ الكُرد في المهجر يمكن أن يلعبوا دوراً كبيراً لتقديم صورة صحيحة لقضيتهم إلى البلدان التي يعيشون فيها، بوصفها قضية نبيلة وعادلة، قضية شعبٍ قُسِّمَت بلاده وأُلحِقَت بدول أخرى نتيجة التفاهم والاتفاقات الدّولية «نعلق آمالاً كبيرة على قوة وقدرة وتأثير الجالية الكوردية والكورد المقيمين في خارج كوردستان لتعريف العالم بقضية شعب كوردستان العادلة وتعزيزها».
كما يدعو إلى تغليب المصلحة القومية العليا على المصالح الشخصية والحزبية الضّيقة، لأنّ القومية الكُردية كهوية جامعة هي التي يجتمع حولها الكُرد، وليست الأيديولوجيات الطارئة التي تذهب مع الرّيح في كل مرحلة زمنية، فالظّلمُ الذي وقع على الكُرد بمختلف أشكاله، وإنكار حقوقهم واضطهادهم دفعتْهم إلى التّشبث بهويتهم وقوميتهم والتّمسك بثقافتهم ولغتهم، لذلك من المنطق الصحيح أنْ يضعوا المبادئ القومية فوق أي مصلحة أخرى. و«أن تضعوا القيم والمبادئ القومية فوق كل مصلحة أو فكر أو أيديولوجيا».
لا ينسى السّيد مسعود البارزاني الكُرد في الأجزاء الأخرى، فيتطلع إلى أن تحترم سوريا والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة حقوق الكُرد ومطاليبهم في سوريا، وفي الوقت نفسه يدعم عملية السلام الجارية في تركيا، ليحلّ السّلام ويتمتع الجميع بحقوقهم.
كما «أننا ندعم عملية السلام في تركيا، ونتمنى أن تصل إلى نتيجة إيجابية تصب في مصلحة الجميع».
أما رسالة السّيد أوجلان تتلخّص بمطلبين أساسيين: على الكُرد أن يتجاوزوا عن مطالبتهم بالكيانات القومية. الثاني: الاندماج الديمقراطي في الدولة القائمة للقوميات الأخرى.
فيفهم القارئ منها أنّ تمسّك الكُرد بحقوقهم يسبّب ويلات الشّرق الأوسط.
إنّ سياسة القمع والإنكار لم يمارسها الكُرد بحقّ الآخرين، بل الدولة التركية هي التي انتهجتها بحقّ الكُرد، بل اتّخذ المتشددون القوميون من العرب والترك والفرس موقفاً عدائياً من الوجود الكُردي، ما دفع الكُرد إلى ردّ فعلٍ مقاوم، هذه الظروف ولّدت دافعياً لدى الكُرد للمطالبة بحقوقهم بعد استنفاد وسائل التفاهم معهم. لكن مازال الخطاب السياسي لدى أوجلان مشابهاً للخطاب السياسي قبل خمسين سنة، مازال يتحدّث عن الامبريالية وتدخلاتها.
«فالانقسامات التي نشأت بسبب سياسات القمع والإنكار والعداء، خاصّةً في الشّرق الأوسط، أصبحت للأسف ذريعة للتدخُّلات الإمبرياليّة».
الغريب في الأمر أنّ السّيد أوجلان مازال يتحدّث من خارج المنطق الفلسفي والتّاريخي، فأي أمةٍ ديمقراطية يريد بناءها؟ أليست هذه فكرة طوباوية بحتة؟
لقد سقط من شباب وشابات الكُرد أكثر من ثلاثين ألفاً شهداء في معارك «الأمة الديمقراطية» ومثلهم من الجيش التركي، لكنّ السيد أوجلان قدّم الاعتذار لأمهات التركيات، بينما الكُرد أصبحوا مجرّد أرقام في التاريخ. أي احتمالاتٍ ممكنة في العملية السياسية والدولة التّركية لم تُقدّم تنازلاً واحداً للكُرد.
«وتزداد احتمالات السّلام بين الشّعوب وبناء الأمّة الديمقراطيّة»
ويريد أوجلان من الكُرد التّنازل عن المطالبة بدولتهم القومية، بينما مواقفه السّياسية تبرّر وجود الدول الأخرى بدلالة أنّه يحثّ الكُرد على «الاندماج الديمقراطي» معها، إذا كان الأمر يتطلب التعايش المشترك بين قوميتين أو أكثر في دولة عصرية تحترم مكوّناتها، فلماذا لا يطالب ببناء دولة مشتركة قائمة على مبدأ المساواة والتكافؤ بين مكوناتها. الاندماج الذي يطلبه يتلخّص بقبول الكُرد حقوق المواطنة في الدولة القومية القائمة على نوعٍ واحد. أي الانحلال والذوبان في التركية والعربية والفارسية. عندها تأتي الفرص للحياة الحرّة.
و«كلّما تمّ تجاوز التقاليد الدولتيّة السنيّة والشيعيّة والتقاليد القوميّة، تعزّزت فرص الحياة الحرّة بين الشّعوب […] وأن نتجاوز الأيديولوجيّات القوميّة الضّيقة، وأن نتّحد على أساس الاندماج الديمقراطي ونبني معاً وجودنا»،
يوكّد السّيد أوجلان في رسالته التي وجّهها من سجنه في إيمرالي، أنّ الدولة القومية يجب تجاوزها، ويصف المطالبة القومية بالأيديولوجية القومية، وهذا يعني بكلّ وضوح طمس الهوية الكُردية وإذابتها في القوميات الأخرى، وهذه مسألة خطيرة جداً.
«نوروز 2026 ينبعث من جديد من جذوره، ويتجدّد بخطوة كبيرة نحو الديمقراطيّة والاندماج الديمقراطي»
يصف نوروز سنة 2026 بأنّه يتجدّد نحو الديمقراطية والاندماج الديمقراطي، والتوصيف المذكور هو مطلب أساسي من مطالب الدولة التّركية العميقة، التي تعمل ليل نهار منذ 50 سنة لإذابة الكُرد بأي وسلة كانت، ويأتي السّيد أوجلان ويمهّد الطريق وبأيدي كردية.
مطالبه بإنهاء الانقسام الإثني ليس موجّها للقوميات الأخرى، بل موجّها للكُرد فقط، لأنّ الدول القائمة الآن، سوريا، العراق، تركيا، إيران، ستبقى بوجهها القومي، ستبقى مسمياتها دامغة بصفات القوميات الأخرى غير الكُردية.
و«يمكننا تحقيق ذلك بإنهاء الانقسامات الإثنية والدينية-المذهبية وصراعات الاقتتال الأخوي»
الأغرب من كلّ ما سبق هو عداؤه لتطور الدولة الحديثة، ويصفها بـ«الحداثة الرأسمالية» ويحمّلها مسؤولية المشاكل الاجتماعية والبيئية، والسيّاسية.
ويطرح بديله الطوباوي السفسطائي «الحداثة الديمقراطية»، المصطلح الذي لا يعرف أوجلان نفسه كيف يشرحه أو يقدّمه، ولا أحد من جهابذة فلسفته الصّدئة. هل الحداثة الديمقراطية تتمثّل في جمهورية سوريا الإسلامية؟ أم في جمهورية تركيا القائمة على العنصرية؟ أين الحداثة الديمقراطية التي يتحدّث عنها؟
«في مواجهة الانهيار الاجتماعي والبيئي الكبير الذي خلقته الحداثة الرأسماليّة، طوّرنا حلّاً يتمثّل في الحداثة الديمقراطيّة، قائم على السياسة الديمقراطيّة والمبادئ البيئيّة».