عبدالباقي اليوسف
الحلقة الثانية:
نوروز القصر الجمهوري: احتواء الرمزية وتفتيت القضية.. قراءة في استراتيجية “التفكيك الهادئ”
تمر القضية الكوردية في سوريا عام 2026 بمنعطف هو الأخطر منذ عقود؛ حيث انتقلت المواجهة من ميادين القتال المفتوحة إلى أروقة السياسة المظلمة. إن ما تشهده الساحة اليوم ليس مجرد صراع على الحقوق، بل هو عملية “تفكيك هادئ” تقودها حكومة دمشق الانتقالية بتناغم وتوجيه تركي واضح، يستهدف ضرب المكتسبات الاستراتيجية التي أرساها “ميثاق نيسان 2025”. وفي هذا السياق، تأتي زيارة الوفد الكوردي الأخيرة إلى القصر الجمهوري بدمشق في عيد نوروز، لتطرح تساؤلات حارقة حول طبيعة التمثيل، والشرعية، والكمائن السياسية المنصوبة للشعب الكوردي.
لا يمكن إنكار أن اعتراف السلطة الانتقالية بنوروز كعطلة رسمية يمثل خطوة شكلية إيجابية، لكن الخطر يكمن في “إفراغ المحتوى”. تحاول دمشق اليوم إعادة صياغة معنى نوروز، وتجريده من أبعاده السياسية والقومية كعيد للانبعاث والتحرر، لتحويله إلى مجرد “عيد للربيع” أو مناسبة فلكلورية عامة. هذا الالتفاف يستهدف القفز فوق حقيقة أن نوروز هو رأس السنة الكوردية والعيد القومي لشعب يعيش على أرضه التاريخية، وليس مجرد نزهة موسمية في أحضان الطبيعة.
إن المعلومات المتداولة حول كيفية اختيار الشخصيات المشاركة في زيارة القصر الجمهوري تكشف عن نهج استخباراتي بامتياز. لقد تم تجاوز المؤسسات السياسية التقليدية لصالح قنوات غير رسمية، وبرزت المحسوبية والتدخلات الأمنية في انتقاء المدعوين. إن الهدف من هذا التغييب المؤسساتي هو تقويض الشرعية السياسية الكوردية؛ فالسلطة تريد التعامل مع الكورد كـ “أفراد مواطنين” لديهم مطالب ثقافية بسيطة، وليس كمكون أصيل يمتلك مشروعاً سياسياً وإدارة ذاتية.
الأخطر في هذه الاستراتيجية هو “صناعة البدائل”. نحن نحذر من إحياء شخوص النظام البائد تحت يافطة “مستقلين”، ومنح أدوار لشخصيات كانت تنسق مع الأجهزة الأمنية التركية. إن استخدام “الأضابير الأمنية” لابتزاز بعض القيادات والكوادر لإجبارهم على الانخراط في هذا المسار هو خرق وجودي لوحدة الصف. دمشق تعزف هنا على وتر “التناقضات البينية”، مستخدمةً فزاعة “الانسحاب الأمريكي” لإقناع البعض بأن الارتماء في حضن المركز هو الخيار الوحيد لتجنب الإبادة التركية، وهي مقايضة زائفة تستهدف الاستسلام لا الاتفاق.
لقد كان مشهد الوفد في دمشق، رغم ارتداء البعض للباس القومي، خالياً من أي ثقل سياسي. لقد استثمرت السلطة هذا المنظر لإرسال رسالة للخارج والداخل بأن “المسألة الكوردية قد حلت” ضمن حظيرة الحكومة الانتقالية. المؤسف أن حضور بعض الشخصيات من أحزاب المجلس الوطني الكوردي كان شكلياً، ولم يخرج عن دور “الكومبارس” في مسرحية تهدف لإضفاء جلالة زائفة على رئيس الحكومة الانتقالية، في غياب كامل لخطاب سياسي واضح أو مطالب محددة تعبر عن تطلعات الشارع الكوردي. إن تماثل وزن بعض الشخصيات المتعاونة أمنياً مع قامات سياسية تقليدية في ذلك اللقاء، يعكس رغبة السلطة في تعويم الموالين لها على حساب المرجعية الوطنية.
رغم أن كسر الجمود السياسي وفتح قنوات تواصل قد يبدو إيجابياً في ظاهره، إلا أن السلبيات في هذه الخطوة تفوق المكاسب بمراحل. إن القبول بالتمثيل الفردي يضعف الموقف الجماعي الكوردي، ويعيد إنتاج سياسات ما قبل عام 2011 بأساليب “ناعمة”. إن الارتهان لهذا المسار يعني التنازل عن الحقوق الأساسية والقبول بـ “فتات” الامتيازات الشكلية مقابل التخلي عن “ميثاق نيسان” واللامركزية السياسية.
إن المرحلة الراهنة تتطلب وعياً سياسياً يتجاوز الانفعالات اللحظية. يجب على القوى السياسية الكوردية كافة إعادة تقييم مشاركتها في هذه الفعاليات، ورفض أي حوار لا يحترم المؤسسات التمثيلية للشعب الكوردي. إن الموقف المعارض للإدارة الذاتية في بعض الملفات لا يجب أبداً أن يتحول إلى ذريعة للتنازل عن الثوابت القومية أو الارتماء في فخاخ المركزية الأمنية.
إن الحل الوحيد لإفشال هذا الاختراق الوجودي يكمن في:
الثبات خلف “ميثاق كونفرانس القامشلي نيسان 2025” باعتباره المرجعية القانونية والسياسية الموحدة.
بناء مرجعية كردية موحدة قادرة على الجلوس على طاولة المفاوضات ككتلة صلبة لا تقبل التجزئة.
تحويل اللقاءات البروتوكولية إلى طابع رمزي دون منحها تفويضاً سياسياً ينتقص من السيادة المحلية.
إن السيادة التي تروج لها دمشق اليوم هي سيادة “أمنية إقصائية”، وما لم يتم انتزاع اعتراف دستوري بهوية الشعب الكوردي كشريك في الأرض والقرار، ستبقى كل المراسيم والزيارات مجرد تخدير موضعي لجسد القضية. إن أمن كوردستان سوريا لا يُبنى في القصور التي تآمرت على هويته، بل يُصان بوحدة الصف، وقوة الميدان، والتمسك بالحقوق التي عُمدت بالدماء.
31 / 3/ 2026