سمكو عمر لعلي
منذ أواخر القرن التاسع عشر، ومع تبلور ملامح الوعي القومي الكوردي، دخلت الحركة الكوردية مرحلة جديدة من النضال السياسي والعسكري، سعت من خلالها إلى تثبيت هويتها القومية ونيل حقوقها المشروعة. وقد شكّلت ثورة عبيد الله النهري سنة 1880 نقطة تحوّل بارزة، إذ عُدّت من أوائل المحاولات المنظمة لتأسيس كيان كوردي مستقل عن السلطة العثمانية . وعلى الرغم من إخفاقها عسكرياً، فإنها أرست أساساً فكرياً جديداً لفكرة القومية الكوردية.
وفي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، برزت عائلة آل بدرخان بوصفها إحدى القوى المؤثرة في مسار النضال الكوردي؛ إذ قاد بدرخان بك تمرداً مهماً عام 1847، ثم واصل أبناؤه وأحفاده حمل القضية بوسائل سياسية وثقافية، ولا سيما في المنافي، مما أسهم في نشر الوعي القومي بين الكورد.
ومع انهيار الحرب العالمية الأولى، دخلت المنطقة مرحلة إعادة رسم الخرائط، وكان للكورد حضور في تلك التحولات، غير أنهم لم يتمكنوا من تحقيق دولتهم المنشودة، رغم ما طُرح من وعود في بعض الاتفاقيات الدولية. وفي هذه المرحلة، برز اسم الشيخ محمود الحفيد، الذي قاد عدة انتفاضات في جنوب كوردستان (العراق حالياً) بين عامي 1919 و1924، معلناً نفسه ملكاً على كوردستان، إلا أنه واجه مقاومة شديدة من القوات البريطانية.
وفي شمال كوردستان (تركيا حالياً)، اندلعت ثورات عديدة، أبرزها ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925، والتي اتخذت طابعاً قومياً ودينياً، لكنها انتهت بقمع عنيف من قبل الدولة التركية الناشئة. كما شهدت ثلاثينيات القرن العشرين ثورة آرارات بقيادة إحسان نوري باشا (1927–1930)، التي سعت إلى إقامة كيان كوردي مستقل في منطقة جبل آرارات، لكنها أُجهضت بالقوة العسكرية.
أما في شرق كوردستان (إيران)، فقد برزت تجربة جمهورية مهاباد عام1946 بقيادة القاضي محمد، والتي تُعد أول تجربة حديثة لدولة كوردية، غير أنها لم تدم سوى أقل من عام، إذ سقطت عقب انسحاب الدعم السوفيتي.
وفي منتصف القرن العشرين، دخلت الحركة الكوردية مرحلة أكثر تنظيماً مع بروز القائد مصطفى البارزاني، الذي قاد ثورات متعاقبة في العراق، أبرزها ثورة أيلول عام 1961، والتي استمرت حتى عام 1975. وقد اتسمت هذه المرحلة بنضج سياسي وعسكري واضح، وببناء تنظيم قادر على الاستمرار رغم الانتكاسات. ثم واصل القائد مسعود البارزاني المسيرة لثورة گولان التقدمية، وصولاً إلى تحقيق شكل من أشكال الحكم الذاتي في إقليم كوردستان العراق بعد عام 1991.
ورغم هذا التاريخ الطويل من الكفاح، فإن الحركة الكوردية لم تنجح حتى اليوم في تحقيق إجماع قومي شامل أو توحيد قيادتها، في ظل تشتت الجغرافيا الكوردية بين عدة دول، وتعقيدات المشهد الإقليمي والدولي. وقد كان لتداخل المصالح الدولية والإقليمية أثر بالغ في إعاقة تحقيق الأهداف القومية بشكل كامل.
إن القول بعدم ظهور قائد (يسجل اسمه في التاريخ لإحقاق الحق) قد يبدو قاسياً، لأن التاريخ الكوردي زاخر بشخصيات ناضلت وضحّت، غير أن جوهر الإشكالية لا يكمن في غياب القادة، بل في طبيعة الصراع ذاته، الذي ظلّ – ولا يزال – رهين توازنات دولية معقدة تتجاوز إرادة الأفراد.
وفي الختام، يمكن القول إن القضية الكوردية لم تكن يوماً قضية قيادة بقدر ما كانت قضية ظرف تاريخي وسياسي متشابك. فمن ثورة عبيد الله النهري عام 1880 إلى ثورات البارزانيين في القرن العشرين، يمتد خيط طويل من النضال لم ينقطع، بل تبدّلت أشكاله وتنوعت أدواته، وما يزال مستمراً حتى يومنا هذا.
ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً ننتظرها بأحر من الجمر في بزوغ لحظة تاريخية جديدة، يظهر فيها صوت حكيم، أو قائد عادل—أياً كانت هويته— من محتلي كوردستان ويسجل اسمه في التاريخ ويُعيد الحقوق إلى أصحابها دون إراقة الدماء، ويؤسس لمرحلة يسودها السلام والتعايش. فالعالم اليوم، في عصر التكنولوجيا والانفتاح، أحوج ما يكون إلى نماذج تُعلي من قيمة العدالة، وتُرسّخ مبدأ الجوار الإنساني القائم على الاحترام المتبادل، ليحيا الأبناء والأحفاد في مستقبلٍ أكثر أمناً وكرامة.
هولير30/3/2026