من نوروز 1986 إلى انتفاضة قامشلو: حين شقّ الدم طريقه إلى القصر

فيصل اسماعيل اسماعيل

لم يكن نوروز عام 1986 حدثًا عابرًا في ذاكرة الكورد في سوريا، بل شكّل لحظة تأسيسية فارقة في تشكّل الوعي القومي. حينها، لم يكتفِ النظام بمنع الاحتفالات، بل حاصر فرقة آزادي، في محاولة لخنق الرمزية قبل أن تولد. غير أن الجماهير خرجت من حي الأكراد في دمشق، كسرت الطوق الأمني، وتقدّمت في مسيرة جريئة نحو القصر الجمهوري في حي المهاجرين. هناك، كان الردّ رصاصًا حيًا، وسقط الشهيد القاصر سليمان أدي، ليتحوّل العيد إلى انتفاضة، والفرح إلى إعلان دموي عن هوية لا يمكن طمسها.
لم تتوقف تلك الشرارة عند دمشق، بل امتدّت إلى قامشلو، حيث جاءت الانتفاضة بعد سنوات لتشكّل منعطفًا أكثر وضوحًا وجرأة. لم يعد الصوت الكوردي محصورًا في الاحتجاج، بل تحوّل إلى فعل جماهيري واسع كسر حاجز الخوف، خصوصًا لدى جيل الشباب، وفرض القضية الكوردية كحقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها.
شهداء قامشلو لم يكونوا مجرد ضحايا، بل كانوا صانعي تحوّل. بدمائهم، أُجبر النظام على الاعتراف، ولو ضمنيًا، بأن الكورد ليسوا هامشًا، بل مكوّنًا أصيلًا من النسيج السوري. لقد غيّرت تلك الانتفاضة قواعد اللعبة، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الوعي السياسي والتنظيمي، حيث لم يعد بالإمكان إقصاء الكورد أو تجاهل مطالبهم كما في السابق.
ومع تراكم هذا المسار النضالي، بدأت ملامح تحوّل أوسع تتشكل في سوريا، حيث أسهم كسر حاجز الخوف لدى الكورد في تحفيز بقية مكونات المجتمع، وصولًا إلى بلورة نواة معارضة أوسع، تُوّجت لاحقًا باندلاع الثورة السورية، التي أسقطت بنية النظام الدكتاتوري وفتحت الباب أمام مرحلة من الانفتاح السياسي، كان من أبرز تجلياتها إعادة طرح القضية الكوردية على المستوى الرسمي.
واليوم، تتجلّى المفارقة التاريخية بوضوح: القصر ذاته الذي أُطلقت من محيطه الرصاصات على المتظاهرين عام 1986، يستقبل وفدًا كورديًا رسميًا في مشهد كان حتى وقت قريب أقرب إلى المستحيل، برئاسة الأستاذ محمد إسماعيل، سكرتير البارتي. هذا التحوّل لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة تراكم طويل من التضحيات، يبدأ من نوروز 1986، ويمرّ عبر انتفاضة قامشلو، وصولًا إلى اللحظة الراهنة.
ومع ذلك، فإن هذه اللحظة، على أهميتها، لا تمثّل نهاية الطريق. فكما كسرت انتفاضة قامشلو حاجز الخوف، فإن المرحلة الحالية مطالبة بكسر حاجز التهميش السياسي، عبر ترجمة هذا الحضور إلى حقوق دستورية واضحة، واعتراف صريح، وشراكة فعلية في رسم مستقبل سوريا.
بين دماء نوروز، وصيحات قامشلو، وأبواب القصر المفتوحة اليوم، تتجسد حقيقة واحدة: ما يُنتزع بالنضال لا يمكن التراجع عنه، وأن الشعوب التي تكتب تاريخها بالتضحيات، تفرض نفسها في نهاية المطاف على طاولة القرار.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

مشاري الذايدي الشجاعة ليست محصورة في سل الحسام، بل قد تكون أحياناً في معرفة متى تغمد هذا الحسام، وتملك شجاعة التغلب على الذات والغرور الشخصي. الشجاعة الأدبية الحقيقية هي أن تضحي بصورتك المعنوية والحرص على مقولة: ماذا سيقول عني التاريخ؟ تضحي بذلك من أجل مصلحة الجماعة والأهل، وفي حالتنا اليوم، الشعب والدولة. سمعت من رجل سياسي ومسؤول عربي…

شادي حاجي لم يكن نوروز في مدينة بون مجرد احتفال عابر، ولا مهرجاناً يُضاف إلى سلسلة الفعاليات السنوية، بل كان لحظة تاريخية نابضة، تجلّت فيها روح شعبٍ كامل، واستعادت فيها الذاكرة الكوردستانية وهجها بكل فخر واعتزاز. في ذلك اليوم، لم تجتمع الحشود فقط لتشاهد، بل لتكون جزءاً من الحدث. أكثر من مئة ألف إنسان (بحسب بعض القنوات التلفزيونية الألمانية) لم…

Ronî Elî‎‏ ‏روني علي‏ وقفة .. قراءة هادئة وسريعة باعتقادي أن الشاب الذي أنزل العلم في كوباني هو جزء من مخطط وبنفس الوقت ضحية التناحر بين مشروعين داخل الجهة التي أقامت الاحتفال فيما لو…

ولاتي مه – وكالات هددت طهران باستهداف مواقع داخل دمشق، من بينها القصر الرئاسي، وذلك على خلفية التصعيد المتزايد المرتبط بالتوترات الإقليمية التي افرزتها الحرب القائمة بين امريكا واسرائيل من جهة وايران واذرعها في المنطقة من جهة اخرى. وبحسب ما نقلته وكالة “فارس” الإيرانية عن مصادر وصفتها بالمطلعة، فإن السلطات الإيرانية حددت عددا من المواقع في العاصمة السورية…