وحدة على المنابر… وغياب في الواقع: إلى أين تتبخر الوعود الكردية؟

صلاح عمر

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس قيمة الخطابات بما تحمله من شعارات، بل بمدى انسجامها مع الواقع، وبقدرتها على التحوّل إلى أفعال. وفي نوروز، حيث تتكثف الرمزية الكردية بين الذاكرة والهوية والمستقبل، جاءت كلمة آلدار خليل محمّلة بعناوين لطالما شكّلت حلمًا جماعيًا للكرد: وحدة الصف، مؤتمر قومي جامع، قوة مشتركة، وتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.
في ظاهرها، تبدو هذه الدعوة استجابة متأخرة، لكنها ضرورية، لواحدة من أعقد الإشكاليات التي واجهت الحركة السياسية الكردية في سوريا: الانقسام البنيوي، وتضارب المشاريع، وغياب المرجعية الموحدة. لكن في عمقها، تفتح هذه الدعوة بابًا واسعًا للتساؤل، ليس عن مضمونها، بل عن سياقها ومصداقيتها، خاصة حين تصدر عن جهةٍ ارتبطت سياساتها، خلال السنوات الماضية، بمفاهيم مغايرة تمامًا للطرح القومي الكردي التقليدي.
لقد تبنّى حزب الاتحاد الديمقراطي، ومعه الإدارة الذاتية، خطاب “الأمة الديمقراطية” و“أخوة الشعوب” و“الاندماج الديمقراطي” كإطار نظري وسياسي لإدارة المناطق التي يسيطر عليها. وهو خطاب، بغض النظر عن نواياه المعلنة، قدّم نفسه كبديلٍ عن الطرح القومي الكردي، لا كامتدادٍ له. فبدل أن تكون الهوية القومية الكردية نقطة الانطلاق، جرى تذويبها ضمن إطار أوسع، يُفترض أنه يتجاوز القوميات، لكنه في الواقع أثار مخاوف جدية لدى قطاعات واسعة من الكرد، الذين رأوا فيه التفافًا على حقوقهم القومية.
من هنا، فإن الانتقال المفاجئ إلى خطاب “الوحدة الكردية” يطرح إشكالية حقيقية: هل نحن أمام مراجعة فكرية وسياسية عميقة؟ أم أمام إعادة تموضع تكتيكي فرضته التحولات الإقليمية والدولية؟ وهل يمكن الجمع بين مشروعين متناقضين في جوهرهما: مشروع يتجاوز القومية، وآخر يؤسس عليها؟
إن الدعوة إلى وحدة الصف الكردي ليست جديدة، بل رافقت المسار السياسي الكردي في سوريا منذ عقود. لكنها، في كل مرة، كانت تصطدم بعقبات تتجاوز الخلافات الظاهرية، لتصل إلى عمق الرؤية السياسية لكل طرف. فالوحدة لا تتحقق بمجرد إعلان النوايا، بل تتطلب توافقًا على الأسس: ما هو تعريف القضية الكردية؟ ما هو سقف المطالب؟ ما هو شكل العلاقة مع الدولة المركزية؟ وما هي آليات اتخاذ القرار داخل أي إطار موحد؟
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل حقيقة أن الثقة بين الأطراف الكردية قد تعرضت لتآكل عميق خلال السنوات الماضية، نتيجة ممارسات على الأرض، وسياسات إقصاء، وغياب الشراكة الحقيقية في إدارة المناطق. وهذه الثقة، التي تُعتبر حجر الأساس لأي مشروع وحدوي، لا يمكن استعادتها بخطابٍ واحد، مهما كان قويًا، بل تحتاج إلى خطوات عملية، تبدأ بالاعتراف بالأخطاء، وتمر بإجراءات بناء الثقة، وتنتهي بتأسيس شراكة حقيقية.
أما الحديث عن “مؤتمر قومي كردستاني”، فهو طرح يحمل في ذاته أهمية استراتيجية، لأنه يتجاوز الإطار المحلي الضيق إلى أفقٍ أوسع، يربط بين أجزاء كردستان المختلفة. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، يظل نظريًا ما لم يُبنى على أرضية داخلية صلبة. فلا يمكن الدعوة إلى إطار جامع على مستوى كردستان، في ظل انقسام حاد داخل جزءٍ واحد منها. فالوحدة تبدأ من الداخل، ثم تتوسع.
وفي ما يتعلق بالدعوة إلى تشكيل “قوة مشتركة” تمتلك القرار السيادي، فإن هذا الطرح يلامس أحد أهم التحديات الأمنية والسياسية في المناطق الكردية. فوجود قوى عسكرية متعددة، ذات ولاءات مختلفة، يُضعف القدرة على اتخاذ قرار موحد، ويجعل الساحة عرضة للتجاذبات الخارجية. لكن مرة أخرى، فإن تحقيق هذا الهدف يتطلب أكثر من مجرد دعوة؛ يتطلب إرادة سياسية حقيقية لتوحيد المؤسسات، وتجاوز الحسابات الفئوية.
غير أن هذه الدعوة تصطدم بوقائع سابقة لا يمكن القفز فوقها؛ إذ إن آلدار خليل ومعه حزب الاتحاد الديمقراطي والإدارة الذاتية، رفضوا في مراحل مفصلية دخول قوات “بيشمركة روج” إلى كردستان سوريا، رغم ما كان يمكن أن يشكّله ذلك من نواةٍ حقيقية لقوة كردية مشتركة. وهذا الرفض لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل محطة أساسية ساهمت في تعميق الانقسام العسكري، وأضعفت فرص بناء مرجعية أمنية موحّدة.
وما يزيد من تعقيد المشهد اليوم، أن هذه الدعوة تأتي في توقيتٍ إشكالي، خاصة بعد التفاهمات الأخيرة مع سلطات دمشق، وما يُطرح حول اندماج “قوات سوريا الديمقراطية” ضمن بنية الجيش السوري. ففي ظل هذا المسار، تبدو الدعوة إلى “قوة مشتركة” وكأنها متأخرة أو منفصلة عن السياق السياسي القائم، بل تثير تساؤلات حول جدواها الفعلية: هل نحن أمام مشروعٍ حقيقي لتوحيد القرار الكردي، أم أمام خطابٍ لا ينسجم مع التحولات الجارية على الأرض؟
إن التوقيت في السياسة ليس تفصيلاً، بل جزءٌ من المصداقية. وأي دعوة، مهما كانت صحيحة في مضمونها، قد تفقد معناها إن جاءت بعد أن تكون الفرص الحقيقية قد أُهدرت، أو بعد أن تكون المسارات قد رُسمت بعيدًا عن الشراكة الكردية المطلوبة.
غير أن النقطة الأكثر إلحاحًا في هذا النقاش، هي تلك التي تتعلق بالتجربة القريبة. ففي 26 نيسان 2025، انعقد في قامشلو مؤتمر “وحدة الصف والموقف الكردي”، بمشاركة معظم الأحزاب الكردية، إلى جانب شخصيات اجتماعية وفعاليات مدنية. وقد شكّل هذا المؤتمر، في حينه، بارقة أمل حقيقية، لأنه جمع أطرافًا كانت متباعدة، وفتح بابًا لحوار كان يبدو مستحيلًا.
لكن ما الذي حدث بعد ذلك؟
أين ذهبت مخرجات هذا المؤتمر؟
ولماذا لم تتحول إلى خطوات عملية على الأرض؟
هذه الأسئلة لا تُطرح من باب التشكيك، بل من باب المحاسبة السياسية. فالمشكلة في الحالة الكردية لم تعد في غياب المبادرات، بل في غياب الاستمرارية. كثير من اللقاءات تُعقد، وكثير من البيانات تُصدر، لكن القليل منها يُترجم إلى سياسات. وهذا ما خلق حالة من الإحباط لدى الشارع الكردي، الذي بات ينظر إلى هذه المبادرات بعين الشك، لا بعين الأمل.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي قضية، ليس العداء الخارجي فقط، بل فقدان الثقة الداخلية. وحين يشعر الناس أن الخطاب السياسي لا ينعكس على حياتهم، وأن الوعود لا تتحقق، فإن الفجوة بين القيادة والقاعدة تتسع، ويصبح من الصعب إعادة ترميمها.
من هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام أي دعوة للوحدة، لا يكمن في صياغة خطابٍ جديد، بل في تغيير السلوك السياسي. في الانتقال من منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة، ومن إدارة الواقع بمنطق الأمر الواقع، إلى إدارته بمنطق التوافق. وهذا يتطلب شجاعة سياسية، قد تكون مكلفة، لكنها ضرورية.
كما أن التحولات الإقليمية والدولية تفرض نفسها بقوة على المشهد. فالتغيرات المتسارعة في سوريا، وإعادة ترتيب الأولويات لدى القوى الكبرى، تضع الكرد أمام مفترق طرق. إما أن يتمكنوا من توحيد صفوفهم، وتقديم مشروع سياسي واضح، أو أن يستمروا في حالة التشتت، ما يجعلهم عرضة لمزيد من التهميش.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن بعض الخطابات، التي تُرفع اليوم تحت عنوان “الوحدة”، قد تُفهم في الخارج بشكل مختلف. فالقوى الدولية لا تتعامل مع النوايا، بل مع الوقائع. وإذا لم يكن هناك وضوح في المشروع، فإن أي غموض قد يُفسر على أنه ضعف، أو عدم قدرة على اتخاذ القرار.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأساسية أن الوحدة الكردية ليست خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة وجودية. لكنها، في الوقت نفسه، ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل عملية معقدة، تتطلب وقتًا، وجهدًا، وإرادة. وهي قبل كل شيء، اختبارٌ للصدق: هل نحن مستعدون فعلًا للتنازل من أجل بعضنا؟ هل نملك الجرأة لمراجعة أخطائنا؟ وهل نضع مصلحة الشعب فوق مصالح الأحزاب؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت دعوات الوحدة ستبقى في إطار الخطاب، أم ستتحول إلى واقع. لأن الشعوب لا تُقاس بما يُقال لها، بل بما يتحقق لها. وفي زمنٍ لم يعد يحتمل المزيد من التأجيل، لم يعد السؤال: هل نريد الوحدة؟
بل: هل نحن مستعدون لدفع ثمنها؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

بريمن “ولاتي مه” : بمناسبة الذكرى العشرين لتأسيس موقع “ولاتي مه”، وضمن سلسلة الفعاليات التي دأبت إدارة الموقع على تنظيمها تكريما للرموز والشخصيات التي خدمت الشعب الكردي في مختلف مجالات الحياة، كرمت إدارة الموقع الفنان الشعبي نصرالدين حسن، تقديرا لمسيرته الفنية الغنية وإسهاماته في صون الأغنية التراثية الكردية والحفاظ على أصالتها. وجاء هذا التكريم على شكل درع تقديري و شعار…

صلاح بدرالدين لن نذهب بعيدا الى بدايات ظهور حركة – خويبون – عام ١٩٢٧ ، ومؤتمرها التمهيدي غير المعلن في القامشلي ، واستكماله الرسمي في ( صوفر – بحمدون ) بلبنان ، ولا الى ماتلاها من قيام جمعيات ثقافية، ومجموعات شبابية، ونوادي، وارهاصات تنظيمية مبكرة، ولا الى حقبة ظهور اول تنظيم سياسي حزبي للكرد السوريين جميعا، كاول تجربة شهدت الاعتقالات…

روني حاجو: ترجمها عن السويدية: فرهاد حاجو في الثامن والعشرين من شباط/ فبراير حلت الذكرى الأربعون لاغتيال رئيس وزراء السويد ”أولوف بالمه”. حيث وُجّهت حينها الشبهات بداية و مبكراً نحو حزب العمال الكردستاني. في هذا المقال الشخصي، يعود بنا روني حاجو إلى تلك الحقبة التي دارت فيها الشبهات بإرتكاب تلك الجريمة بالجالية الكردية في السويد بأكملها. عندما اغتيل ”أولوف بالمه”،…

م. محفوظ رشيد – بسجل لأول مرة في التاريخ بأن يحتفل رئيس الجمهورية بعيد نوروز الذي يرمز إلى الثقافة الكوردية في القصر الجمهوري.. كما يسجل لأول مرة تعرض الكورد للتطهير العرقي وجرائم حرب منظمة باسم “الجيش الوطني” وتحت شعار “الله أكبر”، من قتلهم على الهوية واحتلال أراضيهم وسلب املاكهم وسرقة أموالهم وقطع أرزاقهم والاعتداء على رموزهم ومزاراتهم ومعالمهم، ومنعهم…