ماهين شيخاني
ليست كل الثورات تُقاس بنتائجها، فبعضها يُقاس بجرأتها، وبقدرتها على أن تقول “نحن هنا”… في وجه عالمٍ يصرّ على الإنكار. في الخامس والعشرين من آذار، لا نستذكر مجرد رحيل رجل، بل نستحضر سيرة مرحلة كاملة من تاريخ النضال الكوردي، حين حاولت الإرادة أن تُترجم نفسها إلى كيان، ولو على قمة جبل. إنها ذكرى رحيل الجنرال إحسان نوري باشا، قائد انتفاضة جبل آكري، وأحد أبرز وجوه الحلم الكوردي في القرن العشرين.
وُلد إحسان نوري باشا عام 1898 في بدليس، في زمن كانت فيه الإمبراطوريات تتداعى، والهويات تبحث عن مكانها في خرائط جديدة تُرسم بالدم. تخرّج من المدارس العسكرية العثمانية، ودخل الجيش ضابطاً محترفاً، لكن تحوّله الحقيقي لم يكن عسكرياً… بل أخلاقياً وسياسياً. حين شهد بعينيه قمع ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925، وما رافقها من إعدامات جماعية وتدمير للقرى الكوردية، أدرك أن الدولة التي خدمها لم تعد تمثله، وأن البندقية التي يحملها يجب أن تغيّر اتجاهها.
بين عامي 1925 و1930، تبلورت واحدة من أهم المحطات في تاريخ الحركة الكوردية الحديثة: انتفاضة جبل آكري (آرارات). بدعم من منظمة خويبون، تولى إحسان نوري باشا قيادة الثورة، واجتمع مع ضباط ومقاتلين كورد، ليعلنوا من سفوح جبل آرارات ما كان يُعتبر آنذاك حلماً مستحيلاً: رفع العلم الكوردي وإعلان إرادة الاستقلال. لم يكن ذلك مجرد فعل رمزي، بل كان إعلاناً صريحاً بأن الكورد ليسوا مجرد أقلية، بل شعب يسعى لحقه في تقرير مصيره.
دخلت الثورة في مواجهة مفتوحة مع الدولة التركية الحديثة بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، في وقت كانت فيه أنقرة تسعى لبناء دولة مركزية صارمة لا مكان فيها للهويات القومية الأخرى. ورغم شجاعة المقاتلين الكورد، إلا أن ميزان القوى كان مختلاً بشكل واضح، إذ تفوقت القوات التركية عسكرياً، واستخدمت الطيران الحربي، وفرضت حصاراً خانقاً على مواقع الثوار، في ظل غياب شبه كامل للدعم الدولي. وفي صيف 1930، تعرضت مواقع الثورة لقصف جوي مكثف، لتسقط الانتفاضة عسكرياً، لكنها بقيت حاضرة في الذاكرة السياسية الكوردية.
بعد انهيار خطوط الدفاع، انسحب إحسان نوري باشا مع من تبقى من المقاتلين إلى داخل الأراضي الإيرانية، لتبدأ مرحلة جديدة من النضال، ولكن هذه المرة في المنفى. وما تلا ذلك كان أكثر قسوة، حيث تم تدمير مئات القرى الكوردية، وقتل مدنيين بتهمة دعم الثورة، في محاولة واضحة لطمس الذاكرة الجماعية. كانت الرسالة حاسمة: إنهاء الحلم، لا مجرد إسقاط الثورة. لكن التاريخ أثبت لاحقاً أن الأحلام التي تُقصف بالطائرات… لا تموت.
استقر إحسان نوري باشا في طهران كلاجئ سياسي، تحت رقابة مشددة، بعيداً عن الجبال التي شهدت أعظم لحظات حياته. عاش سنوات طويلة بين الذاكرة والصمت والترقب، إلى أن رحل في 25 آذار 1976 إثر حادث سير لا تزال تحيط به الشبهات، في ظل اتهامات غير مؤكدة بتورط أجهزة استخبارات إقليمية. وهكذا انتهت حياة رجل حاول أن يصنع من الجبل دولة، ومن الثورة مشروعاً سياسياً.
ليست انتفاضة آكري مجرد حدث تاريخي عابر، بل هي درس سياسي مستمر. فهي تؤكد أن الجرأة في طرح القضية الكوردية ليست ترفاً، وأن غياب الدعم الدولي كان دائماً عاملاً حاسماً، وأن وحدة الصف الكوردي شرط لأي مشروع ناجح، كما تبيّن أن الجغرافيا وحدها لا تصنع دولة، بل لا بد من السياسة أيضاً. قد لا يكون إحسان نوري باشا قد انتصر عسكرياً، لكنه كسر حاجز الخوف، ووضع فكرة الدولة الكوردية على الطاولة للمرة الأولى بشكل واضح.
قد تسقط الثورات، وقد تُهزم الجيوش، لكن الفكرة، إن وُلدت بصدق، لا تموت. في ذكرى رحيل إحسان نوري باشا، نحن لا نرثي قائداً بقدر ما نستعيد مرحلة من الجرأة الكوردية التي قالت للعالم: “نحن شعب… ولسنا هامشاً في كتب الآخرين”.
المجد والخلود لروح إحسان نوري باشا، ولشهداء كوردستان… والتاريخ لا ينسى من حاول أن يكتبه بدمه.