الحلقة الثامنة، كوردستان أولًا، نحو ميثاق وطني فوق حزبي

د. محمود عباس

بعد كل ما سبق من تحليل للصراع، وموجات الكراهية، والتوازن السلبي، والتدخلات الخارجية، تبقى الحقيقة الأبسط هي الأكثر إلحاحًا، لا يمكن لأي مشروع كوردي في غربي كوردستان أن يستمر إذا ظل أسير التنافس الحزبي الضيق. فالأحزاب أدوات، أما كوردستان فهي الإطار الجامع. وحين تنقلب المعادلة في الوعي العام، وتصبح الأحزاب معيارًا أعلى من القضية، يتحول المشروع الوطني إلى ساحة تصفية حسابات لا إلى فضاء بناء.

المرحلة الراهنة لا تحتاج إلى انتصار طرف على آخر، بل إلى إعادة تعريف البوصلة. لا بوصفها تسوية ظرفية، بل باعتبارها ميثاقًا وطنيًا فوق حزبي، يضع حدودًا للصراع ويمنع انزلاقه إلى مستوى يهدد الكل.

الميثاق المطلوب ليس برنامجًا سياسيًا تفصيليًا، ولا صيغة إدارية محددة، بل مجموعة مبادئ حاكمة. أولها الاعتراف المتبادل بين القوى الكوردستانية بأن كل طرف يمثل شريحة حقيقية من المجتمع، وأن الإلغاء المتبادل لم يعد خيارًا واقعيًا. ثانيها وقف لغة التخوين بوصفها أداة ضبط داخلي، لأن التخوين لا يحمي المشروع، بل يأكل شرعيته. ثالثها تحييد المثقفين والفاعلين المستقلين عن الاستقطاب الحزبي، فالمجال الوطني لا يستقيم إذا تحولت كل قراءة نقدية إلى اصطفاف. ورابعها اعتبار أي اقتتال داخلي، سياسيًا كان أو أمنيًا أو إعلاميًا، خسارة استراتيجية مباشرة تخدم الفاعل الخارجي قبل أن تخدم أي طرف داخلي.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى مخرجات مؤتمر قامشلو في نيسان الماضي بوصفها أرضية يمكن إعادة تفعيلها لا باعتبارها منتهية الصلاحية. فالهيئة المنبثقة عنه، رغم ما اعتراها من إهمال أو تعطيل، تمثل محاولة لتشكيل إطار تمثيلي أوسع من الحسابات الحزبية الضيقة. إعادة إحياء هذه المخرجات، وتوسيعها، وتشكيل لجان متخصصة تمثل الشعب الكوردي في الحوارات الداخلية والإقليمية والدولية، يمكن أن يعيد ترتيب المشهد على قاعدة جماعية لا فئوية، خصوصًا إذا ضمت هذه اللجان شخصيات ذات حضور دولي وخبرة سياسية تراكمت خلال السنوات الماضية. فالتجربة لا يجوز أن تُهدر، كما لا يجوز أن تُحتكر.

القضية اليوم ليست فيمن يمتلك الشرعية الكاملة، بل في كيفية منع تآكل الشرعية الجماعية. كل طرف، مهما بلغت قوته، يبقى جزءًا من مشهد أوسع لا يمكن إدارته بمنطق الغلبة. وإذا كان الخارج يستثمر الانقسام، فإن المسؤولية الأولى تبقى داخلية، في القدرة على ضبط الخلاف، وتحييده عن التحول إلى صراع وجودي.

كوردستان أولًا ليست شعارًا عاطفيًا، بل ترتيبًا للأولويات. أن يكون الوطن مرجعية أعلى من الحزب، وأن يكون المشروع الوطني أوسع من أي أيديولوجيا، وأن تُدار الخلافات ضمن سقف يحمي الكل من السقوط المتبادل.

لأن القضية التي لا تتسع لأبنائها، لن تتسع لها الجغرافيا.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

26/2/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أوجه شكري بداية إلى كل من أشرفوا على إدارة ” المؤتمر الأول لفيدراسيون الكتّاب الكوردستانيين في المهجر” الدياسبورا “في ” 25 تموز 2026 ” وممَّن حضروا المؤتمر من الزملاء الكتاب والمعنيين بقضية الثقافة ودورها الفاعل في بناء المجتمع، وتنوير قضيتهم للعالم، وأسهموا في دفع عجلته الثقافية إلى الأمام بنتائجه، وفي السياق، أوجّه شكري إلى اللجنة التي اختارت أسماء كتّابها الكرد…

د. فريد سعدون استقبل المحافظ وفد مربي النحل .. استقبل مدير المنطقة وفد تجار البوظة استقبل مدير الناحية وفد مزارعي البابونج.. استقبل عظيم الروم وفد رعاة البط وديوك الحبش ……… كنت أتمنى أن نقرأ : قام المحافظ بتدشين أوتستراد ديريك/ قامشلو/ الحسكة، وافتتاح مشفى الحسكة لأمراض السرطان. قام مدير المنطقة بتدشين محطة كهرباء قامشلي النووية. قام مدير الناحية بتدشين مصفاة…

*شيرزاد مامساني/ اسرائيل من أكثر الظواهر المؤلمة التي بدأت تنتشر بين بعض المثقفين والناشطين الكورد، ولا سيما في المهجر، أن بعضهم يربط نجاح أي مشروع أو مؤتمر أو نشاط بوجوده الشخصي. فإذا لم يُدعَ، أو دُعي ولم يُمنح فرصة لإلقاء كلمة، أو لم يكن في الصف الأول، انقلب فجأة إلى معارض لكل شيء. لا يبحث عن مكامن القوة والضعف، ولا…

عمر إبراهيم تمرّ سوريا اليوم بمرحلة تاريخية دقيقة ومفصلية، تتداخل فيها التحولات السياسية مع التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وسط حالة من عدم اليقين بشأن شكل الدولة ومستقبلها. وفي ظل هذه المرحلة الحساسة، تبرز الحاجة إلى قوى سياسية تمتلك رؤية واضحة، وتدرك أن مستقبل البلاد لا يُبنى بالإقصاء أو فرض الأمر الواقع، بل بالحوار والشراكة والاعتراف بحقوق جميع المكونات. وفي هذا…