فوق رقعة الشطرنج الكبرى… كش مات

رودوس خليل

 

أكثر من عشرين عاماً على العملية العسكرية الأمريكية التي أدت إلى اسقاط نظام الرئيس الراحل صدام حسين وجمهورية العراق جارة جمهورية الإسلام الإيرانية لتظهر بعدها بأن جميع الحجج والأسباب التي سبقت وبررت التدخل الأمريكي في العراق بأنها لم تكن حقيقية لا أحد يعلم هل كان سوءً في التقدير وهو فاضح بكل المقاييس أم كانت ستاراً لأهداف ومجموعة مصالح للولايات المتحدة الأمريكية كان لا بد من اتمامها مهما كان لتدخل واشنطن في نفق مظلم في إدارة هذا البلد لا تعرف كيفية الخروج منه وليسقط آلاف الجنود الأمريكيين قتلى وليصبح العراق الموضوع الأكثر ازعاجاً في الشارع السياسي الأمريكي مسبباً خسائر بشرية جسيمة ومؤلمة للمجتمع الأمريكي وعلى الرغم من معرفة وأدراك الجيش الأمريكي الجريح في العراق الأسباب التي كانت وراء هذا السيناريو الشبيه بالتدخل في فيتنام إلا أن الخوف من تدهور النتائج أكثر دفعت الإدارة الأمريكية على السكوت عن التدخل واقصد هنا النظام السوري السابق الذي فتح الحدود للجميع للعبث بأمن العراق وجمع فيه ما لم يجمع أبداً من الإرهابيين.

خرج الجيش الأمريكي من العراق ومنذ ذلك الحين بقيت الولايات المتحدة تخشى من أي مناورة خارجية أو التدخل في أي مكان تحت أي غطاء.

وإذا كانت حرب الخليج الثانية ودحر الجيش العراقي من الكويت مثالياً من حيث الإعداد والأجماع الدولي وتدخلاً ونصراً مذهلاً والذي اتبعه مباشرة عام 1998 بنصر جديد في صربيا فأن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وما ترتب عليه من فشل أمريكي بكل المقاييس جعل التدخل الأمريكي في أي مكان آخر أمراً خطيراً ومن الصعب تقبله في مؤسسات الحكم الأمريكية والشارع الأمريكي ولا سيما أن جنازات الجنود الأمريكيين القادمة من العراق ما زالت في الأذهان وليغيب الجيش الأمريكي لأكثر من عقدين من التدخل في العديد من الدول بعد تجربة العراق المريرة مع العلم أنه كان بالإمكان التدخل في العديد من النقاط تحت العديد من التبريرات.

وخلاصة ما سبق أن التدخل الخارجي والنصر فيه تشجع الإدارات الأمريكية على تكرار التجربة في مكان آخر وأما الفشل فستبقى ذاكرة قد تمتد لسنوات 

أعتقد أن غياب الولايات المتحدة الأمريكية لحوالي ربع قرن عن التدخل الفعال في الكثير من القضايا الدولية وغيابها المريب عن الكثير من البؤر سواء بالدبلوماسية أو التدخل العسكري ترتب عليه أن تكون كوريا الشمالية دولة نووية وروسيا ممددة بتدخلاتها في جورجيا وأوزبكستان وسوريا وأوكرانيا وإيران واصلة بنفوذها في مصادرة القرار في خمس عواصم عربية وتاركة الساحة الدولية لعقد اتفاقات استراتيجية بين دول عديدة وخاصة بين الصين وروسيا وإيران.

هذا الغياب المؤثر عن الساحة الدولية تسبب في اندلاع العديد من الحروب حول العالم تسببت في أزمة عالمية اقتصادية وتدفقاً للمهاجرين وقطع المعابر وطرق الملاحة العالمية والتي تسببت في غلاء أسعار الطاقة والمواد الغذائية حول العالم وخاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية في أوربا والحرب الإسرائيلية الفلسطينية في الشرق الأوسط.

الرئيس ترامب برفعه شعار أمريكا أولاً كاد أن يكسر هذا الغياب ويثبت حضوره إلا الخوف من الماضي جعله متردداً ليؤكد حضوره في الفترة الرئاسية الأولى بتدخل رمزي في سوريا عندما استخدم نظام بشار الأسد الأسلحة الكيميائية في الغوطة أما في الدورة الثانية للرئيس ترامب كان تغير اسم وزارة الدفاع الأمريكية إلى وزارة الحرب إحدى الإشارات بأن التدخل الأمريكي الخارجي قادم وبقوة لتكون العملية في فنزويلا الباكورة في هذه التغير في السياسة الخارجية الأمريكية وإنهاء حكم الرئيس مادورو وليبدأ الحديث عن تكرار هذه التجربة في كوبا والتمدد والمطالبة بجزيرة جرينلاند.

هذه النجاحات الخارجية طال الملف النووي الإيراني بعد فشل المفاوضات بين الجانبين ورفض طهران لجميع الشروط الأمريكية ليبدأ التدخل الأمريكي في أكبر تحشيد في منطقة الشرق الأوسط من جديد منذ الغزو الأمريكي للعراق.

مع دخول هذه الحرب أسبوعها الثالث فأن الفرق الشاسع بين ميزان القوة العسكرية بين الجانبين والتي أدت إلى تصفية جميع القيادات العسكرية والاستخباراتية في الحرس والثورة وقوات الباسيج وعلى رأسهم المرشد الأعلى على خامنئي فأن الولايات المتحدة تنتظر الطريقة التي ستقبل إيران بالشروط المفروضة.

أعتقد أن تصفية القادة ورأس النظام قد لا تؤدي إلى إسقاط النظام في إيران تلقائياً ولكن قد يجعله مرتبكاً أو ضعيفاً بشكل مؤقت فإيران قوية بمؤسساتها وقادرة على تفريخ العديد من القيادات فمنذ حوالي نصف قرن وإيران متماسكة ولها تجربتها السياسية من خلال العديد من المؤسسات التي تشيه شبكة العنكبوت والتي كان ينسجها المرشد الأعلى. 

النظام في إيران تعرض إلى نكسة كبيرة بتصفية المرشد ولكن هناك ملاحظة هامة في اختيار نجل المرشد مجتبى خامنئي كخليفة لأبيه وهي عدم قدرة المؤسسات المتنوعة في إيران على ترشيح شخصية دينية أخرى وهذا يؤكد بأن علي خامنئي كان يحكم بقبضة ذكية تمهد لتوريث ابنه مجتبى فالفترة الطويلة التي قضاها مرشداً كانت كافية له بأن يجعل الساحة السياسية في إيران بكل مؤسساتها ورجالاتها برتبة الخصي وهي حالة مشابهة للحالة السورية بعد رحيل الرئيس السابق حافظ الأسد.

يبقى الجانب الغير مفهوم إلى الآن كيف ستنهي هذه الحرب؟ وكيف ستكون إيران في اليوم التالي من هذه الحرب؟ وهل ستنجح الولايات المتحدة الأمريكية في فرض نظام موالي للغرب؟

على الرغم من عمليات التصفية التي طالت جميع القيادات العليا وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي والكثير من قيادات الحرس الثورة والاستخبارات وقادة البسيج لم تظهر أي ملامح لولادة نظام صديق ولم تظهر أي قوة سياسية أو عسكرية في الداخل الإيراني مستعدة لإطلاق عملية لإسقاط هذا النظام سواءً سياسياً أو عسكرياً فحتى هذه اللحظة لا توجد أي ملامح تشير بأن هذا النظام على وشك السقوط لا من الخارج ولا من الداخل فربما سير العمليات وزيادة ضراوتها يوماً بعد يوم قد تشهد في أي لحظة ظهور قوة محلية تنتفض في وجه النظام.

أعتقد أن النظام في إيران يواجه أخطر معركة منذ قيام الجمهورية الإسلامية وهو يصارع البقاء ويشعل جميع الجهات ويقصف دول الجوار ويغلق مضيق هرمز شريان الطاقة العالمية في سبيل إنقاذ ما يتم إنقاذه رافعاً شعار أنا أو الطوفان ولهذا الشعار مخاض كارثي نسبة النجاة منه قليلة جداً وتكاد تكون معدومة.

بناءً على الوقائع المتسارعة والأحداث المتلاحقة ومن الناحية التحليلية أحاول أن أجد بعد السيناريوهات المحتملة التي قد تفضي إلى نهاية هذه الحرب.

السيناريو الأول: وهو استمرار الحرب بين الطرفين وفي نفس الوقت تكون هناك مفاوضات تحت النار بين الجانبين ويتم بالقبول بالشروط الأمريكية من قبل إيران وتنتهي الحرب. 

السيناريو الثاني: هو سيناريو خيمة صفوان عند استسلام النظام العراقي وإقراره بالهزيمة وخروجه من دولة الكويت مع يقاء الرئيس العراقي الراحل صدام حسين ونظامه تحت حصار خانق استمر اثنا عشرة سنة إلى أن تم زيارته من جديد عام 2003 واسقاطه إلى الأبد، فهل ستشهد إيران هذا السيناريو؟ هذا الاحتمال متوقع جداً في حال شعر النظام بقرب نهايته ليتجرع السم من جديد لإنقاذ نفسه وليحاول مرة أخرى الوقوف على قدميه لمواصلة نفس المسيرة والعقلية وربما سيناريو سقوطه النهائي قد يؤجل لحين. 

السيناريو الثالث: وهو الاستسلام الجزئي والبحث عن شخصية قوية جديدة يحظى بالقبول في الداخل والخارج وينقذ إيران الدولة ووحدتها ويملك رؤية مستقبلية جديدة لشكل الدولة الإيرانية وبدعم من الولايات المتحدة لتتحول إيران إلى بلد يحترم سيادة دول الجوار وتهتم بالتنمية والانخراط ايجابياً في المنطقة ولكن بعد تصريح دونالد ترامب بأنه لم يعد هناك قادة يمكن التحدث معهم في إيران وهذه صحيح فهذه العملية لو استمرت طويلاً فقد تصل لحد الانقراض بالنسبة لرجالات النظام ولكن هناك شخصيتان يمكن الاعتماد عليهم في هذا السيناريو الأول هو رئيس البرلمان الإيراني والضابط السابق في الحرس الثوري محمد باقر قاليباف والثاني هو اللواء أحمد وحيدي وربما الرئيس الإيراني مسعود بزيشكيان يستطيع أن يلعب هذا الدور إذا حالفه الحظ في البقاء على قيد الحياة عند التفكير في هذا السيناريو ولكن هذا الاحتمال مرتبط بنفاذ الصبر والضغط الدولي على الولايات المتحدة لإيقاف هذه الحرب.

السيناريو الرابع والأخير: وهو السيناريو الأخطر لإيران وهو اسقاطه نهائياً بالاعتماد على هذا التدرج المتصاعد ونزع جميع مخالب النظام الإيراني العسكرية وحتى السياسية والانقضاض على مؤسساته وهذا لا يتم إلا بتدخل بري وإيجاد قوة مسلحة بدعم أمريكي على الأرض في الداخل الإيراني وإرسال المزيد من الجنود الأمريكيين وتكرار التجربة العراقية بربع مليون جندي.

إيران تنظر إلى هذه المعركة بأنها معركة وجودية حياة أو موت وأن الولايات المتحدة شنت هذه الحرب بشروط قاسية واستسلاميه من الصعب جداً القبول به وفي الجانب الآخر الولايات المتحدة الأمريكية وجدت إيران في صورة المتحدي لجبروتها وقوتها العسكرية فلا تستطيع التراجع وقد أصيبت في كبريائها.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل اسماعيل اسماعيل   لم يكن نوروز عام 1986 مجرد مناسبة احتفالية للكورد في دمشق، بل تحوّل إلى لحظة مفصلية كشفت حجم القمع، وأظهرت في المقابل إرادة شعب رفض أن يُمنع من التعبير عن هويته. بدأت الشرارة حين منعت السلطات السورية، عبر وزارة الداخلية، إقامة احتفال نوروز، واحتجزت فرقة آزادي التابعة للبارتي داخل مقر تدريبها، مانعةً إياها من التوجه إلى…

د. محمود عباس بعد كل ما سبق من تحليل للصراع، وموجات الكراهية، والتوازن السلبي، والتدخلات الخارجية، تبقى الحقيقة الأبسط هي الأكثر إلحاحًا، لا يمكن لأي مشروع كوردي في غربي كوردستان أن يستمر إذا ظل أسير التنافس الحزبي الضيق. فالأحزاب أدوات، أما كوردستان فهي الإطار الجامع. وحين تنقلب المعادلة في الوعي العام، وتصبح الأحزاب معيارًا أعلى من القضية، يتحول المشروع الوطني…

ربحان رمضان   في مثل هذا اليوم، الرابع والعشرين من آذار لعام 2025، غادرنا الأستاذ عبد الرحيم وانلي (أبو نوزاد)، عضو اللجنة المركزية للرفاق في البارتي الديمقراطي الكردي في سوريا، الحزب الحليف لحزبنا (حزب الاتحاد الشعبي الكردي في سوريا) خلال ثمانينيات القرن الماضي. كان الراحل “أبو نوزاد” مناضلاً وطنياً فذاً، جمع بين القومية الكردية والانتماء السوري الأصيل. عملنا معاً…

أعلنت وزارة البيشمركة في حكومة إقليم كوردستان، اليوم الثلاثاء الموافق 24 آذار/مارس 2026، عن تعرض مواقع تابعة لقواتها لهجوم صاروخي في حدود منطقة سوران، شمالي الإقليم، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات. وذكرت الوزارة في بيان رسمي أن مقر الفرقة السابعة/مشاة المنطقة الأولى، إلى جانب قوة من الفرقة الخامسة/مشاة، تعرضا لهجومين منفصلين نُفذا بواسطة ستة صواريخ باليستية،…