علمٌ لا يُختزل: راية أمةٍ أكبر من حدود السياسة والانقسام

صلاح عمر

في خضم النقاش الدائر حول الأعلام والرموز، لا بد من إعادة وضع المسألة في إطارها التاريخي والأخلاقي، بعيداً عن القراءات المجتزأة أو التوظيف السياسي الضيق. فالقضية هنا ليست خلافاً بروتوكولياً، ولا سجالاً عاطفياً حول رمزية هذا العلم أو ذاك، بل هي مسألة تتعلق بهوية شعبٍ كاملة، وبذاكرته الجمعية التي تشكّلت عبر قرنٍ من النضال.
إن العلم الذي يُرفع اليوم في إقليم كردستان ليس علماً محلياً أو إدارياً يخص جغرافيا بعينها، كما يحاول البعض تصويره، بل هو العلم الوطني الكردي الذي أُقرّ بإجماع النخب الثقافية والسياسية والدينية والعشائرية ضمن إطار جمعية تعالي كردستان عام 1919، في لحظة تاريخية كانت الأمة الكردية تبحث فيها عن عنوان جامع يمثلها أمام العالم.
هذا العلم لم يبقَ حبيس الأوراق أو الشعارات، بل رُفع في المحطات المفصلية من التاريخ الكردي. فقد حمله الوفد الكردي بقيادة شريف باشا إلى مؤتمر باريس للسلام، ليكون تعبيراً عن هوية سياسية تسعى للاعتراف الدولي. ثم عاد ليُرفع في ثورة آرارات، قبل أن يتكرّس رمزاً سيادياً في جمهورية مهاباد، ويستمر حضوره في كل الانتفاضات والحركات التحررية الكردية على امتداد الجغرافيا الكردية.
وعندما أقرّه برلمان إقليم كردستان رسمياً في تسعينيات القرن الماضي، لم يكن ذلك ابتكاراً لعلم جديد، بل إعادة الاعتبار لرمزٍ تاريخي كان قد سبق الجميع، واستقر في وجدان الشعب الكردي كراية جامعة تتجاوز الحدود المصطنعة.
من هنا، فإن محاولة حصر هذا العلم في إطار “إقليمي” أو تصويره كأداة سياسية لفريق دون آخر، هي قراءة تُفرغ الرمز من معناه التاريخي، وتدفع باتجاه تفكيك ما تبقى من المشترك القومي. فالأعلام الحزبية، مهما بلغت مشروعيتها، تبقى تعبيراً عن تنظيمات سياسية محددة، أما هذا العلم فهو عنوان أمة، لا شعار حزب.
أما الحديث عن “تسييس العلم”، فهو بحد ذاته مفارقة؛ لأن هذا العلم وُلد سياسياً، ونما في قلب النضال، وتحوّل إلى رمزٍ للتضحيات. المشكلة ليست في رفعه، بل في محاولة تجريده من دلالته القومية، أو وضعه في مواجهة رموز أخرى وكأنها متناقضة معه.
إن احترام خصوصية أي تجربة نضالية، في روج آفا أو غيرها، لا يعني إلغاء الرموز الجامعة، بل يفترض التكامل معها. فالتجارب السياسية قد تختلف، لكن الهوية القومية لا تتجزأ، ورمزها يجب أن يبقى فوق الاصطفافات.
القضية الكردية لم تتضرر عبر تاريخها من قوة رموزها، بل من محاولات تفكيكها وإعادة تعريفها وفق مصالح آنية. لذلك، فإن الحفاظ على هذا العلم ليس مسألة عاطفية، بل واجب وطني وأخلاقي، لأنه يمثل ذاكرة شعب، وتاريخ نضال، وأملاً لم يكتمل بعد.
وحين يُرفع هذا العلم، لا ينبغي أن يُسأل: لأي جهة ينتمي؟
بل يجب أن يُفهم على حقيقته:
راية أمةٍ ما زالت تبحث عن مكانها تحت الشمس.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…