إنكار كُردستان: إشكالية الخطاب السياسي ودوره في شرعنة تقسيم الوطن الكُردي

لوند حسين*

يُقدَّم المطلب الكُردي في كثير من الأدبيات السياسية السائدة في الشرق الأوسط، ولاسيما أوساط الأنظمة الغاصبة (المُحتلة) لِكُردستان بوصفه تعبيراً عن نزعة «انفصالية»، غير أن هذا التوصيف يثير إشكالية مفاهيمية عميقة، إذ إن مفهوم الانفصال يُفترض وجود وحدة سياسية وطنية قائمة يسعى طرفٌ ما إلى الانفصال عنها؛ ففي الحالة الكُردية، تبدو الصورة التاريخية أكثر تعقيداً؛ فالمُطالبة الكُردية لا تنطلق من الرغبة في الانفصال عن وطنٍ قائم، بل من السعي إلى استعادة حق تاريخي في وطن جرى تقسيمه وإلحاق أجزائه قسراً بعدد من الدول الحديثة في الشرق الأوسط: تُركيا، العراق، سوريا وإيران.

ترتبط جذور هذه المسألة بالتحولات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة عقب انهيار الإمبراطوريات التقليدية بعد الحرب العالمية الأولى؛ فقد أدت إعادة رسم حدود الشرق الأوسط في تلك المرحلة إلى نشوء كيانات سياسية جديدة، جرى تحديد حدودها في إطار توازنات القوى الدولية ومصالح الدول المنتصرة في الحرب؛ وقد تُوِّج هذا المسار باتفاقيات دولية حاسمة مثل اتفاقيتي سيفر ولوزان، اللتين أسهمتا في ترسيخ خريطة سياسية جديدة للمنطقة؛ وضمن هذه الترتيبات، جرى تقسيم كُردستان وفق اتفاقية سايكس-بيكو وإلحاق أجزائها بأربع دول هي تركيا وإيران والعراق وسوريا، لتنشأ بذلك واحدة من أكثر القضايا القومية تعقيداً واستمرارية في الشرق الأوسط المعاصر.

غير أن الإشكالية الكُردية لا تقتصر على مسألة التقسيم الجغرافي فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى ظاهرة سياسية أعمق تتمثل في إنكار وجود كُردستان بوصفها حقيقة جغرافية وتاريخية؛ ففي الخطاب السياسي الرسمي للدول الأربعة الغاصبة (المُحتلة) لِكُردستان، غالباً ما يتم التعامل مع كُردستان ليس كإقليم تاريخي معروف في المصادر الجغرافية والسياسية، بل كمفهوم ينبغي نفيه أو تهميشه؛ وقد رافق هذا الإنكار، في مراحل مختلفة، سياسات هدفت إلى تقليص الاعتراف بالهوية الكُردية، سواء من خلال تقييد استخدام اللغة الكُردية أو الحد من التعبير الثقافي والذاكرة التاريخية المرتبطة بها؛ بل ذهبَ بِهُم الأمر لارتكاب مجازر إبادة جماعية «الجينوسايد» واستخدام أسلحة كيمياوية محظورة دولية.

المثير للاهتمام أن هذا الموقف لا يقتصر على الأنظمة السياسية الحاكمة، بل يمتد في كثير من الأحيان إلى قطاعات من النُخب السياسية المعارضة أيضاً؛ فعلى الرغم من التباينات الأيديولوجية والصراعات السياسية بين القوى العربية والتُركية والإيرانية، إلا أن قدراً ملحوظاً من التوافق يظهر عند مسألة الاعتراف بكُردستان ككيان جغرافي أو كقضية سياسية قائمة بذاتها؛ ويعكس هذا التلاقي بين السلطة والمعارضة عُمق البنية الفكرية والسياسية التي تأسست عليها الدولة القومية في المنطقة خلال القرن العشرين.

إلا أن البُعد الأكثر إثارةً للجدل في هذا السياق يتمثل في بروز اتجاهات داخل بعض الأوساط السياسية الكُردية نفسها تتبنى خطاباً يبتعد عن مفهوم كُردستان كإطار جغرافي وتاريخي موحّد. إذ يلجأ هذا الخطاب إلى استخدام تسميات بديلة مثل (شمال-شرق وغرب سوريا)، أو (شمال العراق)، أو (جنوب-شرق تركيا)، أو (شمال-غرب إيران)، بدلاً من تسمية كُردستان؛ ويذهب بعض ممثلي هذا الاتجاه إلى حد اعتبار أي مشروع سياسي يقوم على أساس قومي كُردي، بما في ذلك فكرة الدولة الكُردية، تهديداً لاستقرار المنطقة وطعنة في خاصرة الشعوب العربية والتركية والفارسية.

إن هذه المقاربة لا تمثل مجرد اختلاف لغوي أو اصطلاحي، بل تعكس تحوّلاً في الإطار المفاهيمي الذي تُفهم من خلاله القضية الكُردية؛ فاستبدال المصطلح الجغرافي والتاريخي «كُردستان» بتسميات إدارية أو جغرافية بديلة يساهم، بصورة غير مباشرة، في إعادة إنتاج الخطاب الذي ينفي وجود الوطن الكُردي «كُردستان» بوصفه وحدة تاريخية؛ وبذلك يصبح الخطاب السياسي، حتى عندما يصدر عن فاعلين كُرد، جزءاً من البنية الأوسع التي أسهمت تاريخياً في تهميش المسألة الكُردية وإنكار الحقوق المشروعة للشعب الكُردي كسائر شعوب المعمورة.

ومن منظور تحليلي، لا يقتصر أثر إنكار كُردستان على الجدل النظري حول المصطلحات، بل يمتد ليؤدي دوراً سياسياً مباشراً في تكريس واقع السيطرة على الأرض؛ فعندما يُنكر وجود وطن تاريخي لشعبٍ ما، ويُنفى ارتباطه الجغرافي والرمزي بالأرض التي يعيش عليها تاريخياً ومنذُ القِدَم، فإن ذلك يسهم في إضفاء شرعية سياسية على ترتيبات السُلطات القائمة الناتجة عن اتفاقيات سايكس-بيكو السيئة الذكر، وإلحاق كُردستان كجُغرافية وشعب بكيانات تلك الدول المُصطنعة بعيداً حتى عن إرادة شعوبِها؛ وبهذا المعنى، يمكن فهم استمرار السيطرة السياسية للدول الأربع على أجزاء كُردستان بوصفهِ نتاجاً لتوازنات القوة التاريخية التي جرى تثبيتها لاحقاً عبر منظومات قانونية وسياسية وثقافية مُختلفة.

ومع ذلك، فإن الاعتراف بهذه الحقائق لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دعوة إلى الانفصال أو إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي، بل باعتباره خطوة ضرورية نحو مقاربة أكثر واقعية للقضية الكُردية؛ فالتجارب التاريخية تشير إلى أن إنكار القضايا القومية أو محاولة تهميشها لا يؤدي إلى حلها، بل يسهم في استمرارية الصراعات والحروب وإطالة أمدها.

إنّ أيَّ معالجةٍ جادّة للمسألة الكُردية في الشرق الأوسط لا يمكن أن تبدأ من فراغ، ولا يمكن أن تقوم على إنكار الوقائع التاريخية والجغرافية. فالقضية الكُردية، في جوهرها، ليست لغزاً معقّداً بقدر ما هي حقيقة جرى تجاهلها طويلاً؛ إنَّها قضية شعبٍ يمتلك هوية تاريخية راسخة، ويعيش على أرضٍ ذات خصوصية جغرافية وثقافية معروفة في الأدبيات التاريخية والسياسية باسم كُردستان؛ ومن هنا فإن الاعتراف بهذه الحقيقة ليس موقفاً سياسياً عابراً، بل هو التزام بمبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي المعاصر: حق الشعوب في الاعتراف بهويتها وفي التمثيل السياسي العادل، وفي تقرير مصيرها وفق قواعد النظام الدولي ومواثيق حقوق الإنسان.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: لماذا يطالب الكُرد بحقوقهم؟ فهذا سؤال يتجاهل بداهة الأمور؛ السؤال الحقيقي هو: إلى أي مدى يستطيع الشرق الأوسط والدول الغاصبة لِكُردستان أن تستمر في تجاهل حقيقة تاريخية وجغرافية وسياسية بحجم كُردستان؟ وهل يمكن لمنطقةٍ تبحث عن الاستقرار أن تُبني مستقبلاً متوازناً وهي تتعامل مع قضية بهذا العمق وكأنها مجرد تفصيل عابر في معادلات تلك الأنظمة؟

لقد أثبتت تجارب القرن الماضي أن القضايا القومية الكُبرى لا تُمحى بقرارات سياسية، ولا تُلغى بحدود رسمتها اتفاقيات دولية أو فرضتها موازين القوة؛ فالقضية الكُردية لم تُحل بالإنكار، ولم تُطوَ بالقوة، ولن تختفي بتجاهلها؛ بل على العكس، كل محاولة لتجاوزها أو اختزالها لا تؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع وتعميق الجرح التاريخي في المنطقة.

الشعب الكُردي، في جوهر مطالبِهِ، لا يطلب المستحيل، ولا يسعى إلى هدم استقرار المنطقة كما يُروَّج أحياناً في الخطابات السياسية للأنظمة الغاصبة لِكُردستان، ما يُطالب به هو ما طالبت به شعوب كثيرة عبر التاريخ: الحرية، والاعتراف، والحق في تقرير المصير على أرضه التاريخية؛ وهنا يبرز تساؤل آخر لا يقل أهميةً عن سابقه: لماذا تُعتبر هذه المطالب مشروعة لشعوب العالم، لكنها تتحول إلى «إشكالية سياسية» عندما يتعلق الأمر بالكُرد؟

إن توصيف القضية الكُردية بوصفها مجرد قضية أقلية تبحث عن بعض الحقوق الثقافية ليس سوى تبسيطٍ مُخلّ لواقعٍ أكثر تعقيداً وعمقاً؛ كما أن تصويرها بوصفها نزعة انفصالية يتجاهل السياق التاريخي الذي نشأت فيه؛ فالمسألة في حقيقتها تتعلق بشعبٍ وجد نفسه مُقسَّماً بين أربعة دول نتيجة حروبٍ واتفاقية سايكس بيكو الدولية، ثم حُرس هذا التقسيم من قبل الأنظمة الغاصبة عبر عقودٍ من الاستبداد والإنكار، ولا يُمكن وصفِها إلا بعميلة احتلال لوطنٍ اسمهُ كُردستان.

وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: إلى متى سيستمر إنكار كُردستان وكأنها لم تكن موجودة يوماً؟

ومع ذلك، ورغم كل محاولات الطمس والتجاهل، بقيت الحقيقة قائمة: كُردستان وطن، والشعب الكُردي شعب حيّ لا يموت؛ فالتاريخ علّمنا درساً بسيطاً لكنه عميق الدلالة: الأوطان قد تُقسَّم، لكنها لا تختفي، والشعوب قد تُقمع، لكنها لا تموت.

 

ألمانيا: 18 آذار 2026

* كاتب وصحفي كُردي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عمار عبد اللطيف يتحضر السوريون الأكراد للاحتفال بعيد “نوروز”، الذي يأتي هذا العام في أجواء مختلفة بعد إقراره للمرة الأولى عيداً رسمياً في البلاد، عقب عقود من منع الاحتفال به من قبل النظام المخلوع. إلا أن التغيرات التي شهدتها سوريا بعد سقوط النظام ستغيّر هذا العام وجه الاحتفال وشكله. ويترقب كثير من السوريين، ولا سيما في المناطق ذات الوجود الكردي،…

هوزان يوسف الجغرافيا الزمانية للألم والأمل لا يمثل شهر آذار في الوجدان الكردي مجرد حيزٍ زمني في تقويم السنة، بل هو “جغرافيا زمانية” استثنائية تختزل سردية شعبٍ بأكمله. في هذا الشهر، تتقاطع خطوط المأساة مع خطوط الانبعاث، ويتحول التقويم إلى سجلٍ مفتوح من الفقد والبطولة. بالنسبة للكردي، آذار ليس شهراً عادياً؛ بل…

أغيد أبو زايد للعام الخامس عشر على التوالي، يحتفل السوريون بذكرى انطلاق الثورة السورية التي تصادف في الثامن عشر من آذار من كل عام، حيث انطلقت الثورة في هذا اليوم بعد أن مرت بإرهاصات خلال الأشهر التي سبقت هذا التاريخ، مهدت الطريق أمام احتجاجات شعبية سلمية طالبت بإصلاحات واسعة، قبل أن يرفع السوريون سقف المطالب بإسقاط النظام، بعد أن…

صبحي دقوري ليست هذه الدراسة سيرة سياسية تقليدية لزعيم معاصر، ولا محاولة لتأريخ مرحلة من تاريخ الحركة الكردية فحسب. إنها محاولة لفهم منطق السلطة في لحظة تاريخية معقدة، حيث تتقاطع الثورة مع الدولة، والكاريزما مع المؤسسة، والأسطورة السياسية مع الواقع التاريخي. ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من تحليل تجربة بوصفها حالة نموذجية لفهم التحولات التي تعرفها الحركات التحررية عندما تنتقل…