د. محمود عباس
لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط عبر ميناء جيهان فحسب، بل تعبير عن أزمة سياسية واقتصادية أوسع تتصل بطبيعة إدارة الدولة العراقية نفسها، وبمدى احترامها للمبادئ الدستورية التي قامت عليها.
إن الاتهامات التي صدرت عن حكومة بغداد لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد خلاف إداري حول آليات تصدير النفط، بل تبدو أقرب إلى رسائل سياسية موجَّهة إلى أطراف دولية وإقليمية. فهي، من جهة، تحمل في طياتها خطابًا تحريضيًا غير مباشر موجَّهًا إلى الولايات المتحدة قبل غيرها، في محاولة لتصوير حكومة إقليم كوردستان على أنها تعرقل الجهود الدولية الرامية إلى سدّ النقص المتزايد في إمدادات الطاقة العالمية، خصوصًا في ظل الأزمة التي تفاقمت بعد تعطل الملاحة في مضيق هرمز. وبهذه السردية تحاول بغداد الإيحاء بأن الإقليم لا يساهم في استقرار سوق الطاقة، أو أنه يقف عقبة أمام الجهود الدولية لتعويض العجز القائم.
ومن جهة أخرى، تبدو هذه الاتهامات أيضًا رسالة سياسية موجهة إلى تركيا، التي يمثل ميناء جيهان أحد أهم منافذ تصدير النفط عبره، وكأنها محاولة لإقناع أنقرة بأن حكومة الإقليم تسعى إلى إدارة علاقاتها الاقتصادية بمعزل عن الحكومة الاتحادية، أو حتى إلى إضعاف الروابط التجارية بين تركيا وبغداد.
إن البيان الذي صدر عن وزارة الثروات في إقليم كوردستان لم يأتِ بلغة التصعيد أو الاتهام المجرد، بل جاء بلغة الوقائع، محاولًا إعادة ترتيب الحقائق التي جرى تشويهها في الخطاب الرسمي لبغداد. فحين تتهم وزارة النفط الاتحادية الإقليم بعدم الاستعداد لاستئناف التصدير، فإنها تتجاهل – أو تتعمد تجاهل – السياق الكامل للأزمة، وهو سياق لا يمكن فصله عن الحصار الاقتصادي غير المعلن الذي يُفرض على الإقليم منذ أشهر، وعن الإجراءات المالية التي أدت إلى شلل واضح في الحركة التجارية، بعد حرمان التجار من الوصول إلى العملة الصعبة بذريعة تطبيق نظام كمركي لم يُمنح الإقليم الوقت الكافي لتكييف مؤسساته معه.
إن من حق أي دولة أن تطبق أنظمتها الإدارية والكمركية، لكن من غير المقبول أن تتحول هذه الأنظمة إلى أدوات ضغط اقتصادي على جزء أساسي من مكونات الدولة نفسها. فالدستور العراقي لم يقم على فكرة المركزية العقابية، بل على مبدأ الشراكة بين بغداد وأربيل، وعلى الاعتراف بخصوصية النظام الفيدرالي الذي يفترض أن يضمن التوازن بين السلطات لا أن يستخدمها أداة للضغط السياسي.
لكن الأخطر من الأزمة الاقتصادية هو الجانب الأمني الذي أشار إليه البيان بوضوح. فالهجمات التي تعرضت لها منشآت الطاقة في إقليم كوردستان ليست مجرد حوادث معزولة، بل تمثل تهديدًا مباشرًا للبنية الاقتصادية للإقليم ولأحد أهم مصادر الدخل للعراق بأكمله. إن توقف الإنتاج نتيجة تلك الهجمات ليس ادعاءً سياسيًا، بل واقع فرضته الاعتداءات المتكررة على حقول النفط والغاز. وفي مثل هذه الظروف يصبح من غير المنطقي اتهام الإقليم بعدم تصدير النفط بينما البنية الإنتاجية نفسها تتعرض للاستهداف.
الأكثر إثارة للقلق أن هذه الاعتداءات تُنفذ من قبل مجموعات مسلحة خارجة عن القانون، في وقت لم تُظهر فيه الحكومة الاتحادية حتى الآن الإرادة الكافية لوضع حد لهذه الهجمات أو منع تكرارها. إن مسؤولية حماية البنية التحتية الاستراتيجية في البلاد تقع أولاً وأخيرًا على عاتق الدولة المركزية، لأن استهداف منشآت الطاقة في كوردستان لا يضر بالإقليم وحده، بل يضرب الاقتصاد العراقي ككل.
وإذا كان من المفارقات المؤلمة التي أشار إليها البيان أن بعض العناصر المتورطة في هذه الاعتداءات تتلقى رواتبها من مؤسسات مرتبطة ببغداد، فإن المفارقة الأكبر تكمن في أن مواطني إقليم كوردستان ما زالوا يعانون من تأخير رواتبهم ومستحقاتهم المالية، التي تصل في كثير من الأحيان منقوصة أو متأخرة، رغم أن هذه الرواتب ليست منّة من أحد، بل حقوق دستورية لموظفين ومواطنين عراقيين.
ورغم كل ذلك، فإن ما يلفت الانتباه في بيان وزارة الثروات ليس لغة الشكوى، بل لغة المسؤولية. فالإقليم، كما يؤكد البيان، لم يغلق باب الحوار يومًا، بل دعا مرارًا إلى مفاوضات جدية لمعالجة جذور الأزمة. إن هذا الموقف يعكس إدراكًا عميقًا بأن استقرار العراق لا يمكن أن يتحقق عبر فرض الإملاءات أو عبر إدارة الأزمات من خلال الإعلام، بل عبر حوار سياسي صريح يعترف بالحقوق المتبادلة ويبحث عن حلول مستدامة.
إن دعم موقف وزارة الثروات الطبيعية في إقليم كوردستان ليس مجرد موقف سياسي، بل هو دفاع عن مبدأ أساسي في بناء الدول الحديثة، أن الشراكة لا يمكن أن تقوم على الاتهام، وأن الوحدة لا يمكن أن تُفرض عبر الضغوط الاقتصادية أو الأمنية. فالعراق الذي خرج من عقود طويلة من الصراعات لا يحتاج إلى مزيد من الأزمات بين مكوناته، بل إلى رؤية جديدة تقوم على احترام الدستور والالتزام بروح الفيدرالية التي نص عليها.
وبالتالي، فإن الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع هي أن استقرار إقليم كوردستان ليس مصلحة كوردية فحسب، بل مصلحة عراقية وإقليمية أيضًا. فالإقليم كان طوال السنوات الماضية أحد أكثر المناطق استقرارًا في العراق، وساهم في حماية الاقتصاد الوطني وفي مواجهة الإرهاب وفي الحفاظ على توازن سياسي حساس في المنطقة. ولذلك فإن التعامل مع قضاياه بلغة الاتهام لا يخدم أحدًا، بينما يبقى الطريق الوحيد للخروج من هذه الأزمة هو الحوار الصادق والالتزام بالقانون. وأن استمرار الضغوط الاقتصادية، إلى جانب التهديدات الأمنية، يضعف الثقة في جدية الشراكة الوطنية، بل وقد يدفع بعض الأصوات داخل الإقليم إلى التساؤل عن جدوى هذه الشراكة إذا استمرت سياسات الإقصاء والتضييق.
إن بيان وزارة الثروات الطبيعية لم يكن مجرد رد على اتهامات عابرة، بل تذكير بأن العلاقة بين أربيل وبغداد يجب أن تقوم على الشراكة الحقيقية، لا على تحميل المسؤوليات من طرف واحد. ومن هنا فإن الوقوف إلى جانب هذا البيان هو وقوف إلى جانب الحقيقة، وإلى جانب فكرة العراق الذي يُبنى بالتفاهم لا بالضغوط، وبالعدالة لا بالإقصاء.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
15/3/2026م