هجار أمين
تمرّ في الثاني عشر من آذار ذكرى مفصلية في التاريخ السياسي المعاصر لسوريا، ذكرى الأحداث التي شهدتها مدينة قامشلو عام 2004، والتي شكلت محطة فارقة في مسار العلاقة بين الدولة والمكون الكوردي في البلاد، ففي مثل هذا اليوم، أقدمت السلطات آنذاك على استخدام القوة المفرطة والرصاص الحي في مواجهة احتجاجات شعبية، ما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا ومئات الجرحى والمعتقلين، في واقعة رسخت في الوعي الجمعي الكوردي والسوري بوصفها إحدى أبرز تجليات القمع السياسي في تلك المرحلة.
لم تكن انتفاضة 12 آذار حادثة منفصلة عن سياقها، بل جاءت امتداداً لسياسات ممنهجة اتسمت بالإقصاء والإنكار، فعلى مدى عقود، عانى الكورد في سوريا من جملة إجراءات شملت حرمان شريحة واسعة منهم من الجنسية بموجب إحصاء 1962 الاستثنائي، وتقييد الحقوق الثقافية واللغوية، وفرض قيود على التملك والتنقل والعمل، إلى جانب سياسات هدفت إلى إعادة تشكيل البنية الديمغرافية في بعض المناطق ذات الغالبية الكوردية. وقد أفضت هذه السياسات إلى تراكم مظالم اجتماعية وسياسية عميقة، انفجرت في لحظة احتقان حاد في ربيع 2004.
إن الرد الأمني الذي واجهت به السلطة تلك الاحتجاجات لم يؤدِّ إلى احتوائها، بل أسهم في توسيع نطاقها، حيث امتدت التظاهرات إلى مدن وبلدات عدة في الجزيرة وكوباني وعفرين، وتحولت ذكرى 12 آذار إلى رمز سياسي يعبر عن مطلب أوسع يتمثل في الاعتراف الدستوري بالهوية والحقوق، وفي إنهاء منظومة التمييز والإقصاء، ومنذ ذلك التاريخ، باتت هذه الذكرى تمثل علامة على دخول القضية الكوردية في سوريا مرحلة جديدة من العلنية والتنظيم السياسي، وتحوّلها إلى عنصر أساسي في أي نقاش وطني حول مستقبل البلاد.
إن استحضار هذه الذكرى اليوم يكتسب دلالة خاصة في ظل التحولات العميقة التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة، فالتجارب التاريخية تؤكد أن معالجة آثار الصراعات الداخلية لا يمكن أن تتم عبر التجاهل أو الإنكار، بل عبر الاعتراف الصريح بالانتهاكات، وإرساء مبادئ العدالة الانتقالية، وضمان عدم تكرارها، ومن هذا المنطلق، فإن إحياء ذكرى ضحايا 12 آذار لا ينبغي أن يقتصر على البعد العاطفي أو الرمزي، بل يجب أن يتحول إلى مدخل لنقاش وطني جاد حول أسس الدولة السورية المنشودة.
إن المرحلة الراهنة تفرض مسؤولية مشتركة على جميع السوريين، كورداً وعرباً وسرياناً وآشوريين وأرمن وسائر المكونات، للانتقال من منطق الصراع الصفري إلى منطق الشراكة السياسية المتكافئة، فبناء دولة ديمقراطية تعددية لا يتحقق بالشعارات، بل عبر عقد اجتماعي جديد يقرّ بالتنوع القومي والثقافي، ويكفل المساواة أمام القانون، ويؤسس لنظام حكم يقوم على اللامركزية الإدارية الفاعلة، والفصل بين السلطات، وصون الحريات العامة والفردية.
في ذكرى 12 آذار، يُستذكر الضحايا بوصفهم جزءاً من مسار طويل من النضال من أجل الكرامة والعدالة، وتبقى المسؤولية الأخلاقية والسياسية قائمة في تحويل تلك التضحيات إلى رافعة لإعادة بناء الدولة على أسس المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والاعتراف المتبادل بين جميع أبنائها، فالدول المستقرة لا تُبنى على إنكار التعدد، بل على إدارته ضمن إطار دستوري عادل يضمن الحقوق ويصون الوحدة الوطنية في آنٍ معاً.