الحرب والانتظار، حين يدفع الآخرون الثمن، سردية إنسانية في زمن الصراع

هجار أمين

 

عندما تخفت أصوات المدافع، وتُرفع الرايات البيضاء، ويتصافح القادة على أنقاض المدن، يظن العالم أن الحرب قد انتهت، لكن الحرب لا تنتهي أبداً لمن دفعوا ثمنها من لحمهم ودمهم وانتظارهم.

سوف تنتهي الحرب، ويتصافح القادة مبتسمين أمام الكاميرات، سيوقعون المعاهدات، ويوزعون الغنائم، ويخطبون في المؤتمرات عن السلام الدائم والازدهار المشترك، سيتباركون بالصور التذكارية، ويصفق لهم المجتمع الدولي مطولاً. أولئك القادة – الذين جلسوا في غرف العمليات البعيدة، وأصدروا الأوامر، وحركوا الجيوش كقطع الشطرنج – سيعودون إلى قصورهم، إلى حفلات الاستقبال، إلى حياة لم تُصبها رصاصة واحدة.

أما على الأرض، حيث الجراح الحقيقية، فالمشهد مختلف تماماً، تلك العجوز التي أجبرها القصف على الفرار، ها هي تعود الآن إلى بيتها المدمر، لا تبحث عن مأوى، ولا تبحث عن طعام، بل تجلس على عتبة الباب المهشم تنتظر، تنتظر ولدها الشهيد الذي ودعته صباحاً مبتسماً، ظناً منها أنه عائد لتوه، لم تخبرها الحرب أن ولدها تحول إلى رقم في إحصائية الضحايا، وأنه لن يعود إلا في كفن أو في ذكرى.

وتلك الفتاة التي تزوجت قبل الحرب بأيام، والتي خططت لحياة مليئة بالأحلام، تقف الآن على ناصية الطريق تنتظر زوجها الحبيب، كلما مرت سيارة، كلما دق جرس الباب، تعتقد أنه عاد، لا تعلم أن زوجها بات وساماً على صدر قائدٍ ما، في احتفال النصر، لا تعلم أن عودته الوحيدة ستكون في خبر مقتضب، أو في صورة على جدار الحارة.

وأولئك الأطفال، الذين كانوا يلعبون في الزقاق، ينتظرون والدهم البطل، ينتظرونه ليكمل معهم لعبة الشطرنج التي بدأها، أو ليحكي لهم قصة قبل النوم. ينتظرون من كان يحميهم من الخوف، غير مدركين أن الموت هو من حمله بعيداً، وأن البطولة الحقيقية لم تكن في الانتصار في المعركة، بل في التضحية التي لن يفهموا معناها إلا حين يكبرون.

هنا السؤال الأخلاقي والسياسي الأكثر إلحاحاً، لا أعلم من باع الوطن، لا أعلم أي القادة جلس على طاولة المفاوضات وفرط بشارعٍ هنا أو بحي هناك مقابل مقعدٍ أو صفقة، لا أعلم أي الأطراف خانه، وأيهم كان أكثر براغماتية، وأيهم انحاز لمصلحته على حساب دماء الناس.

لكنني – وبكل يقين – رأيت من دفع الثمن، رأيتهم في العجوز التي تنتظر بلا أمل، وفي الفتاة التي تذبل كل يوم، وفي الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم، رأيتهم في النازحين الذين لا يجدون وطناً يعودون إليه، وفي الجرحى الذين تحولت أجسادهم إلى خرائط للألم، وفي السجناء الذين تبادلتهم الصفقات كأنهم بضاعة.

إن أقسى ما في الحرب ليس موت الضحايا فقط، بل استمرار الحياة لمن تبقوا، استمرار الانتظار. استمرار الأمل الزائف بأن الغائب سيعود، وبأن الدماء لم تذهب هدراً، وبأن التضحية كانت من أجل وطن يستحق.

لكن الحقيقة الأكثر قسوة هي أن من دفعوا الثمن ليسوا من سيقطفون ثمار “السلام”. القادة سيتصافحون، والاتفاقيات ستنشر، والمساعدات سترسل. أما أولئك الذين انتظروا، فسيظل انتظارهم شاهداً أبدياً على أن السياسة العليا قد تكون لعبة مصالح، لكن الدم المراق ليس لعبة.

سوف تنتهي الحرب. وتُرفع الأنقاض، وتُبنى المدن من جديد، لكن ثمة أشياء لا تعود: الأرواح التي رحلت، والأعمار التي انتظرت، والقلوب التي تحجرت على أملٍ لم يتحقق.

وفي كل زاوية من زوايا هذا الوطن الذي دفع الثمن، ستبقى العجوز تنتظر، والفتاة تحلم، والأطفال يكبرون على سؤال واحد: لماذا آباؤنا؟ ولماذا نحن؟ ولماذا كان الثمن دائماً من نصيب من لا يملكون قرار الحرب ولا قرار السلم؟

تلك هي الحقيقة التي لا تظهر في صور المصافحات. تلك هي الحرب التي لا تنتهي أبداً.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

وكالات: 🇺🇸 اختبأ الطيار الأمريكي على حافة مرتفعة ضمن المنطقة الجبلية والحرجية التي هبط فيها. وقد تحرك سيراً على الأقدام مبتعداً عن النقطة التي هبط فيها بالمظلة، ثم قام بتفعيل منارة تحديد الموقع. وقد وفرت له التضاريس الجبلية والحرجية وغير المأهولة وقتاً ثميناً، وأتاحت له البقاء على قيد الحياة دون أن تتمكن القوات الإيرانية أو القرويون الموالون للنظام من الوصول…

عبدالجبار شاهين لم يكن الرابع من نيسان ١٩٨٠ مجرد تاريخ في روزنامة القمع بل لحظة فاصلة قرر فيها النظام البعثي ان يحسم علاقته بالكرد الفيليين عبر اقتلاعهم من المعادلة الوطنية دفعة واحدة مستخدما قرارات ادارية باردة لتنفيذ مشروع تطهير قومي مذهبي حار فقد فيه الانسان اسمه ووثيقته وبيته واثره في آن واحد في ذلك اليوم وما تلاه جرى ترحيل ما…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد توقفت عند ماركس وآرندت بوصفهما مدخلين أساسيين لفهم حدود الديمقراطية الشكلية ومعنى السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، فإن هذه الحلقة تنتقل إلى محطتين مختلفتين في طبيعتهما، لكنهما لا تقلان أهمية في تكوين الخلفية النظرية لفرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة»: ماكس فيبر وفريدريك نيتشه. تكمن أهمية هذين الاسمين في أنهما لا يقدّمان…

د. محمود عباس في كل مرة يُعلن فيها دونالد ترامب أن الحرب على إيران “تقترب من نهايتها”، يظهر سؤال لا يُطرح علنًا لكنه يفرض نفسه بقوة، هل هذه النهاية تخدم جميع الأطراف، أم أن هناك من يرى فيها بداية خطر جديد؟ هنا تحديدًا يتقدم دور إسرائيل بوصفه العامل الأكثر حساسية في معادلة الحرب. فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى إدارة صراع…