الديمقراطية حين تخسر… تسقط الأقنعة

ماهين شيخاني

من أقسى مفارقات واقعنا السياسي أن بعض من يرفعون لواء الديمقراطية في برامجهم وأدبياتهم يسقطون في أول امتحان حقيقي لها… امتحان الصندوق.

ما حدث بعد المؤتمر الأخير للبارتي، ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل اختبار أخلاقي لمفهوم الالتزام بالمؤسسات. أشخاص حضروا المؤتمر، ناقشوا، طرحوا أفكارهم، مارسوا حقهم كاملاً، بل ونالوا أعلى الأصوات في انتخابات شرعية شفافة. وحين جاءت النتيجة ولم ينجح “معلمهم”، انقلبوا على كل ما سبق، وأصدروا بياناً معاكساً يطعن بالمؤتمر ذاته الذي شهدوا بنزاهته ومن خلال حضورهم !

أي ديمقراطية هذه التي تُقبل نتائجها فقط حين تخدم المصالح..؟.

وأي التزام حزبي يبقى إذا كان المعيار هو نجاح الأشخاص لا نجاح المؤسسة؟

الديمقراطية ليست شعاراً يُرفع في الوثائق، بل سلوك يُمارس عند الخسارة قبل الفوز. القبول بالنتائج هو جوهرها، والاحتكام إلى الإرادة الجماعية هو أساسها. أما تحويل المؤتمر إلى ساحة تصفية حسابات بسبب سقوط اسمٍ أو فشل أحدهم، فذلك ليس دفاعاً عن مبادئ… بل عن مواقع.

المؤتمر حسب ما سمعنا ومن خلال بيانه كان ناجحاً بكل المقاييس: حضور، نقاش، تصويت، نتائج واضحة. ومن أراد الطعن فيه اليوم، إنما يطعن بخيارات الرفاق الذين صوّتوا، ويختزل إرادتهم في شخص واحد.

مؤلم أن يبقى بعضنا أسرى عقلية “معي أو ضدي”، وأن تتحول القومية إلى غطاء لمصالح فردية. الأشد إيلاماً أن يُلبس الخلاف الشخصي ثوب الغيرة على القضية.

نعم، ربما ابتُلينا في مسيرتنا بأشخاص يضعون ذواتهم فوق المبدأ، ومصالحهم فوق المصلحة العامة. لكن التجربة تُثبت دائماً أن المؤسسات التي تحترم إرادة أعضائها تبقى، وأن من يخاصم الديمقراطية لأنها لم تمنحه ما يريد، يخسر مرتين: مرة في الصندوق، ومرة في الموقف.

القضية الكوردية أكبر من الأشخاص، وأبقى من الأسماء.

ومن لا يحتمل خسارة موقع… لن يحتمل مسؤولية وطن.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…