بين الاندماج القسري والاعتراف المؤجَّل: قراءة في اتفاقية السلطة السورية المؤقتة وقسد

لوند حسين *

 

في لحظة سياسية مثقلة بالهزائم المؤجَّلة والرهانات غير المكتملة لقوات سوريا الديمقراطية، جاءت الاتفاقية الموقَّعة يوم الجمعة 30 كانون الثاني 2026، بعد سلسلة من الحوارات والاتفاقيات التي تبادل الطرفين عدم الالتزام بتنفيذ ما اتفقوا عليه، وكُل تلك التفاهُمات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، تستند للاتفاقية الأولى التي وُقعت بين السيد أحمد الشرع «أبو محمد الجولاني» والجنرال مظلوم عبدي بتاريخ 10 آذار 2025؛ ما توصلَ إليهِ الطرفين فتحت باباً جديداً في مسار العلاقة الشائكة بين المركز السوري والمجتمع الكُردي في كُردستان (سوريا)؛ غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل تشكّل هذه الاتفاقية اختراقاً سياسياً؟ بل: لأي اتجاه يُعاد تشكيل العلاقة؟ ولصالح مَن تُدار كلفتها؟

منذ عام 2012، نشأت في الجغرافيا الكُردية السورية وقائع سياسية وإدارية جديدة. لم تكن الإدارة الذاتية مجرّد ترتيبات أمنية مؤقتة، بل محاولة –بكل ما لها وما عليها– لإعادة تعريف علاقة الكُرد بالدولة السورية: من موقع التهميش البنيوي إلى موقع الشراكة المشروطة؛ لكن الاتفاقية الأخيرة، وإن حملت في بعض بنودها اعترافاً وظيفياً بدور قسد وبالخصوصية الثقافية والتعليمية للمجتمع الكُردي، فإنها تُعيد طرح معادلة قديمة بواجهة جديدة: دمج بلا ضمانات سياسية، واعتراف بلا أفق دستوري؛ وباعتقادي هذا هو أقصى ما يصبو إليه أصحاب فلسفة الأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب.

إن دمج قسد ضمن بُنية وزارة الدفاع والداخلية يُقدَّم بوصفه «حلًا مؤسسياً» يضع حداً لثنائية السلاح خارج الدولة، ومنع تكرار سيناريو كُردستان (العراق) مُجدداً لصالح الشعب الكُردي في الجزء الكُردستاني المُلحق بالدولة السورية؛ غير أن التجربة التاريخية في سوريا، كما في دول مركزية أخرى، تُظهر أن الإدماج حين يتمّ في غياب عقد سياسي جديد يضمن الحقوق القومية والتعددية اللامركزية، يتحوّل من مسار تسوية إلى أداة احتواء؛ هنا تكمن المُفارقة: يُطلب من الكُرد تسليم أدوات القوة التي انتزعوا بها مساحات شاسعة من الجُغرافيا السورية من ضمنها كامل مساحات كُردستان (سوريا)، مقابل وعود إدارية قابلة للتأويل والتلاعب والإنكار مُستقبلاً.

لا شك أن بعض بنود الاتفاقية يحمل مكاسب ملموسة للمجتمع الكُردي: الاعتراف بالشهادات التعليمية الصادرة عن مؤسسات الإدارة الذاتية، فتح المجال لترخيص المؤسسات الثقافية والإعلامية، وإقرار «الخصوصية التعليمية» بوصفها ملفًا قابلًا للنقاش مع وزارة التربية؛ هذه خطوات مهمّة على مستوى الحياة اليومية والكرامة الرمزية للغة والثقافة الكُردية؛ لكنها تبقى، في ميزان السياسة العليا، اعترافاً ثقافياً دون اعتراف سياسي قومي. أي أنَّها تُقنِّن الحضور الكُردي في الهامش الثقافي، من دون أن تمسّ جوهر سؤال السلطة والتمثيل في الدولة السورية.

الأخطر من ذلك أن إعادة استلام الدولة للمؤسسات والموارد الحيوية في محافظة الحسكة، وفي مقدمتها الحقول النفطية، تعني عملياً إعادة إنتاج المركزية البعثية-الأسدية بلبوسٍ إسلامويٍ راديكالي-طائفي، لطالما كانت أحد أوجه التهميش التاريخي للشعب الكُردي؛ فإذا لم تُقرَن هذه الخطوة بآليات شفافة لإعادة توزيع الموارد والتنمية المحلية والتمثيل السياسي وفقَ نسبة الشعب الكُردي، والتي تتعدى أكثر من 15% من مجموع سكان سوريا، فإنها ستُكرّس شعوراً قديماً لدى شعبنا الكُردي بأن مناطقهم تُدار بوصفها خزّاناً لا شريكاً في هذه الدولة التي تأسست وفقَ اتفاقيات سايكس-بيكو عام 1916، ليكون قدرنا أن نعيش ضمن أربعة دول يحكُمها أشد الأنظمة عُنصريةً ودكتاتورية، بالإضافة إلى أنَّ نُخبها السياسية بِمُختلف توجهاتِهُم مُتفقين في عدم الاعتراف بالشعب الكُردي وضد منحِهُم أية مكاسب، يرون فيها خطراً على دولِهُم، ولسان حالِهُم يقول: أنَّ أي اعتراف بحقوق الكُرد هو بداية تقسيم بُلدانِهُم.

أما ملف عودة النازحين إلى عفرين وسري كانيه (المُعربة إلى رأس العين) وگري سپي (المُعربة إلى تل أبيض) والحيين الكُرديين الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، فهو الاختبار الأخلاقي الحقيقي لأي حديث عن «تسوية وطنية»؛ إدراج هذا البند في الاتفاقية خطوة سياسية رمزية، إلا أنَّها تبقى بلا أدوات تنفيذية في ظل استمرار الوقائع الإقليمية المفروضة بالقوة، وخصوصاً التدخُل التُركي الفظ في إدارة الدولة السورية، وكأنَّها إحدى الولايات التُركية، فلا يُمكن اختزال مأساة التهجير القسري لشعبنا الكُردي بفقرة إنشائية في اتفاق، ما لم تُربَط بمسار وطني ودولي واضح يضع مسألة الاحتلال التُركي والتغيير الديمغرافي في صلب الحل السياسي السوري.

خلاصة القول: نحن أمام اتفاقية تُدشّن انتقالاً هشاً من صراع مفتوح إلى تفاوض على الاندماج، لكنها لا ترقى إلى مستوى عقد سياسي جديد، يُعيد تعريف الدولة السورية بوصفها دولة مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، لا مواطنين من الدرجة الأولى في دمشق وإدلب (في عهد بشار كانت اللاذقية-قرداحة) ومواطنين من الدرجات الأدنى بالنسبة للعلويين والدروز والمسيحيين والكُرد، لا تكمن المعضلة في مبدأ الاندماج ذاته، بل في شروطهِ وسياقهِ: هل هو اندماج في دولة مُعاد تعريفها دستورياً، بوصفها دولة تعددية لا مركزية؟ أم اندماج في بنية قديمة تُعيد إنتاج منطق الاحتواء باسم (السيادة)؟

بين هذين الخيارين يتحدد مستقبل الشراكة الكُردية–العربية السورية؛ وما لم يُفتح أفق سياسي دستوري واضح يعترف بالشعب الكُردي كشريك أصلي في هذا البلد، فإنَّ كُل اتفاق إداري أو أمني سيبقى، مهما بدا واقعياً، مُجرّد هدنة مؤقتة في صراعٍ لم تُحلّ جذوره بعد.

 

ألمانيا 13 شباط 2026

*صحفي وكاتب كُردي

شارك المقال :

4 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

كفاح محمود ليس أخطر على المجتمعات من تحويل لقمة العيش إلى أداة تفاوض، فحين تُقطع الأرزاق أو تُؤخَّر الرواتب أو تُجمَّد الاستحقاقات، لا نكون أمام إجراءات مالية بقدر ما نكون أمام حصار اقتصادي مُقنَّع: ضغط سياسي بواجهة إدارية، وابتزاز معيشي يُراد به إرباك الناس، وتفكيك ثقتهم، وإشاعة الفوضى من بوابة الحاجة. في إقليم كوردستان يبدو المثال صارخًا: رواتب أكثر من…

شكري بكر المتتبع لشأن الشارع السوري بشكل عام والكوردي بشكل خاص يرى أنه قد عاد نوعا ما بعض الهدوء إلى الشارع السياسي الكوردي في سوريا . علما أنه لايزال الماكينة الإعلامية لقادة أخوة الشعوب تعمل على وترين : الأول : إتهام الآخر بالعمالة للدولة التركية . الثاني : تحشيد قدر الإمكان الطاقة البشرية للإعتراف بنظرية أخوة الشعوب عبر إسطوانات…

مسلم شيخ حسن – كوباني من هم الذين لم يخطئوا يوماً ؟ إنهم الموتى وحدهم. أما الأحياء، الساعون إلى العمل والتأثير وتشكيل المستقبل فلا بد أن يواجهوا عثرات وأن يختبروا الفشل بقدر ما يختبرون النجاح. فالخطأ ليس نقيض العمل بل هو قرينه الطبيعي. لا يلام من يفشل في النضال بقدر من يصر على ارتكاب الأخطاء ويرفض التعلم منها. إن…

صلاح بدرالدين نهجان مختلفان للتصدي لمهام ترتيب البيت الكردي السوري هناك نهجان ، وتصوران ، ومفهومان بشأن مستقبل الكرد والحركة الكردية السورية : الأول يعالج من منظور تاريخي مترابط ، يربط الحاضر بالماضي ، وينطلق منهما الى المستقبل ، يعتبر ان الحركة السياسية وتعبيراتها الحزبية الراهنة ( قرابة الخمسين حزبا وتنظيما على اقل التقديرات ) تعاني من أزمة بنيوية عميقة…