عدنان بدرالدين
تُقرأ “الإبستينية”، في الفضاء الشرقي–الإسلامي، بوصفها لحظة سقوط أخلاقي للغرب ودليلاً على زيف منظومة قِيم قيل إنها كانت تدّعي الفضيلة. جريمة واحدة، شبكة منحرفة، سنوات من الاستباحة، ثم استنتاج جاهز: هذا هو الوجه الحقيقي لمنظومة لم تكن أخلاقية كما زعمت. غير أن هذا الاستنتاج، على متانته العاطفية، يقوم على توصيف خاطئ قبل أن يقوم على نقد.
المشكلة ليست في إدانة الجريمة ولا في التعاطف مع الضحايا، بل في طبيعة المحاكمة نفسها. فالمنظومة الغربية الحديثة لم تقدّم نفسها تاريخياً بوصفها مدينة للفضيلة، ولا باعتبارها نموذجاً أخلاقياً مكتمل الصفات. قامت، على العكس، على افتراض الشك: الشك في الإنسان، والريبة من السلطة، والاعتراف بإمكان الانحراف. لذلك لم تُراهن على الأخلاق بوصفها ضمانة، بل على القانون والرقابة والمساءلة بوصفها أدوات ضبط.
يمكن فهم هذا الفارق عبر صورة الطريق نحو الهدف.
في المنظور الغربي، لا يُفهم الطريق بوصفه مرسوماً سلفاً، ولا الهدف بوصفه مكتمل الملامح. الطريق يتشكّل أثناء السير، ويتغيّر مع التجربة، ويُعاد رسمه مع كل تصحيح أو إخفاق. الفضيلة هنا ليست نقطة وصول، بل طريقة اقتراب: قيمة غير مكتملة، تتحدد من خلال الحركة ذاتها، لا قبلها. لذلك يُفترض منذ البداية أن بعض الأفراد أو الجماعات قد يتأخرون عن الطريق، أو يسيئون استخدام الحرية، أو ينحرفون عنه مؤقتاً. هذا لا يُعدّ صدمة أخلاقية، لأن النموذج لم يفترض الطهارة أصلاً. لكن كل انحراف يُقاس بميزان الضرر الذي يُلحقه بالتقدّم نحو الهدف، ويُواجَه بالمحاسبة لا للحفاظ على صورة مثالية، بل لحماية القدرة الجماعية على مواصلة الاقتراب. الجميع يشارك في رسم الطريق، والجميع يتحمّل – بدرجات متفاوتة – مسؤولية التعثّر أو التقدّم.
في المقابل، يقوم التصور الشرقي–الإسلامي للأخلاق على فكرة طريق معلوم وهدف محدد سلفاً. المسار معروف، والمدينة الفاضلة مرسومة في المخيال قبل بدء السير. الفضيلة ليست ما يتشكّل أثناء الحركة، بل ما يُفترض قبلها. ومن يخرج عن الطريق لا يُنظر إليه كمن يختبر المسار أو يراجع معناه، بل كمن انحرف عن اتجاه متفق عليه. ولهذا يُعاد تعريف الانحراف بوصفه حادثاً فردياً “خارج الطريق”، لا بوصفه علامة تستدعي مراجعة الطريق نفسه. لا لأن الانحراف لا يمكن أن يطرح أسئلة، بل لأن السماح له بأن يُناقَش قد يفعل ذلك تماماً: قد يُربك اليقين، وقد يفتح باباً لا يمكن ضبطه.
ماذا لو كان الخوف الحقيقي، مثلاً، ليس من الانحراف ذاته، بل من أن يُفضي الحديث عنه إلى التشكيك في أن الطريق المرسوم يقود فعلاً إلى الهدف المنشود، أو إلى فتح احتمالٍ مقلق مفاده أن مسارات أخرى، غير معترف بها، قد تقود إلى غايات إنسانية لم تُدرج ضمن اليقين الجماعي بعد؟
يتجلّى هذا الاختلاف مباشرة في موقعَي المجرم والضحية. في تصور الطريق المفتوح نحو الهدف، لا يُفاجأ النظام بوجود مجرم، لأنه لم يفترض الطهارة ولا العصمة. تُفصل المسؤولية الفردية عن الجماعة، وتُوضَع الضحية في المركز بوصفها معيار القياس الأخلاقي. أما في تصور الطريق المعلوم، فيتحوّل الحدث سريعاً إلى تهديد للصورة العامة: يُلتزم الصمت حيال الجريمة، بينما تُدفَع الضحية إلى الهامش لأن حضورها يُربك الرواية الأخلاقية ويهدّد “حتمية” الاتجاه.
والمفارقة هنا ليست في الحدث نفسه، بل في طريقة تأويله: فالمنطق الذي يرفض داخلياً اعتبار الانحراف دليلاً على خلل في الطريق، يُستدعى عندما يطال الآخر المختلف بسهولة، ليُقدَّم الانحراف ذاته بوصفه دليلاً على انهيار الطريق نفسه.
من هنا يمكن فهم التباين في قراءة سقوط إبستين. في الفضاء الشرقي–الإسلامي، يُفهم السقوط غالباً بوصفه دليلاً على سقوط منظومة بأكملها، لأن المنظومة قُرئت أصلاً كمنظومة طريق صحيح يقود إلى غاية صحيحة. فإذا سقط شخص واحد، بدا وكأن الطريق نفسه فقد شرعيته. أما في المنظور الغربي، فيُفهم السقوط كاختبار قاسٍ لمنظومة لم تفترض نقاء الطريق ولا عصمة السائرين فيه: السؤال لا يكون “كيف تجرأ هذا الشخص؟” بل “كيف ستُعاد حماية الطريق نحو الهدف بعد انكشاف الانحراف؟”.
تتغذّى الحماية السلطوية لما يمكن تسميته بـ“الإبستينية الشرقية” من خلطٍ عميق بين الأخلاق والسلطة. حين تُفهم الأخلاق كسمة هوياتية لا كطريقة سير تُختبر، تصبح السلطة حارس الاتجاه، لا ضامن العدالة. كل كشف أخلاقي يتحول إلى تهديد سياسي لأنه يهدد اليقين بالطريق ذاته. عندها لا تُحمى الجريمة، بل يُمنع السؤال عن الوجهة التي يفضي إليها الطريق. يصبح الصمت ضرورة، والكشف كسراً للعادة، والمحاسبة مغامرة غير محسوبة العواقب.
بهذا المعنى، ليست “الإبستينية” مرآة تكشف زيف أخلاق الغرب، بل مرآة تكشف خللاً في الطريقة التي نفهم بها الأخلاق ونقيس بها الآخرين. لقد حوّلنا جريمة واحدة – رغم بشاعتها – إلى محاكمة حضارية للغرب كله، لا لأنها استثنائية، بل لأننا افترضنا ادعاءً لم يُطرَح. قرأنا منظومة تقوم على الشك والاختبار بلغة الطريق المعلوم والغاية المكتملة، فاختلط علينا وقوع الجريمة بفشل النظام، وانكشاف الانحراف بانهيار القيم، دون الادعاء، بطبيعة الحال، بأن هذا ينطبق على كل التيارات الفكرية في الفضاء الشرقي–الإسلامي.
حين نحاكم الغرب على فضيلة لم يدّعها، فنحن لا ننتصر أخلاقياً، بل نرتكب خطأً معرفياً مريحاً، لا نُحاسَب عليه فوراً.
الفارق الحقيقي ليس بين منظومة بلا جريمة وأخرى تعجّ بها، بل بين منظومة تواصل السير وتدفع ثمن الانكشاف، وأخرى تمنع دفع الثمن بمنع السؤال عن الطريق نفسه.
9 شباط / فبراير 2026
…