في مقاربة معادلة المناطق الكردية، لابد ضبط من ضبط الأطراف

إبراهيم اليوسف

 

دخلت معادلة المناطق الكردية طوراً حرجاً إذ إن لحظة الانهيار التي أعقبت سقوط النظام السابق لم تترك فسحة للتنظير أو المناورات، وحدثت تطورات دراماتيكية: مجازر مفتعلة ضد العلويين- مجازر ضد الدروز- اختلاق جو عام لحرب عربية- كردية، من قبل أدوات استغلت وسائل التواصل الاجتماعي لشحن الرأي العام من حولها، عبر اختلاق أكاذيب، أو توظيف حوادث ما كبيرة أو صغيرة، خارج سياقها، في إطار تبرئة الذات وتخوين الآخر، لاسيما بعد أن وجد أمثال هؤلاء من  يحتضنهم، ومن يقبض المال السياسي مقابل ذلك، أو تفريغ شحنات الحقد واللؤم العنصريين ضد الآخر، لاسيما بعد أن توافر خط جديد لثنائية هذا الشحن، فتم التزاوج بين ما هو عنصري قوموي وطائفي إسلاموي.

 إن تحريك العشائر والميليشيات، إلى محاولة ومشروع حرب إبادة ضد الكرد، وهي ضد مكونات المكان كلها من: كرد وعرب وشركاء آخرين، دفع القوى المتقابلة إلى اتفاق اضطراري، في الثامن عشر من كانون الثاني 2026، مفروضاً من الخارج، أو نتيجة غريزة النجاة، من دون أن يرتقي إلى رغبة التفاهم التي كانت تستوجب- في الأصل- عدم هدر نقطة دم من الطرفين. حيث جاء هذا التوقيع تحت ضغط الخوف العام من انفجار اقتتال عربي كردي كان يقترب من الأبواب اقتراب النار من هشيم يابس، كان سيأكل: أخضرنا ويابسنا جميعاً، إذ كانت أيادي جميع الحريصين: عرباً وكرداً وشركاء، على قلوبهم، حقيقة، وفعلاً، لا تصوراً، أو مجازاً، لأن الرصاصة الأولى لو انطلقت لفتحت سلسلة لا  ولن تتوقف!

إذ إن حركة ميليشيات السلطة الجديدة نحو الأطراف التي رأتها رخوة- نتيجة التداخل المكوناتي- واستدعاء تشكيلات عشائرية متمرسة في الغدر لخوض حرب أهلية- ولا أقصد العشائر بل من تنطع لتنفيذ الخطط الخارجية أو التركية أو المحلية المؤتمرة- وتوجيه ميليشيات متمرسة بالإيغال في أنهار لتطويق مناطق” الإدارة”، ضمن إطار خطوات أوحت بأن الحسم العسكري مطروح على الطاولة، إذ ترجم المخطط عبر عمليتي حصار سياسي وعسكري يتخفيان بثياب أمنية، في الوقت الذي كانت فيه قسد في المركز. تلك القوة التي اختلفنا طويلاً مع قيادتها، ولا سيما في ما يتعلق بهيمنة وأثر قنديل في قراراتها غير المنطقية والتي تسببت في تعميق الهوة بين المكونات، غير أن الخلاف لا يسوغ القبول بخنق مجتمع كامل، ولا مقاتلين أبرياء، انخرطوا في صفوفها، دفاعاً عن أهلهم ومكانهم في مواجهة الإرهاب.

لقد أخرج سقوط الأسد إلى السطح صنفين واضحين: فئة ترفض الكردي نتيجة ثقافته البعث/ اسئصالية، ولا ترى في الوطن إلا قالباً عروبوياً ضيقاً، وفئة متضررة من تجربة- قسد- لأنها واجهت داعش يوم كان آخرون يساومون أو يصمتون، وهكذا التقى الحقد الأيديولوجي مع الثأر المصلحي في جبهة تحريض واحدة، إذ صار كل إجراء أمني ضد خلايا التطرف يُصوَّر استبداداً، وصار كل معتقل حاضنة لداعش يُقدَّم ملاكاً بريئاً.

ذلك الخطاب لم يأت مصادفة، وإنما صيغ لإفراغ أي قوة كردية من شرعيتها الاجتماعية، وحيث جرى تصوير قسد دكتاتورية لمجرد أنها اعتقلت من تورط أو انجرّ، مع أن البديل كان عودة التفجيرات والذبح في الساحات. إنما الإنصاف يقتضي قولاً واضحاً أيضاً، إذ إن قيادات قسد أضرت بالكرد قبل سواهم، واستفاد من ظلها منتفعون- أكثرهم من العشائر- وفي خدمة وحدة سوريا، رفعوا شعارات بعيدة عن حياة الناس، وهتفوا باسم أوجلان بينما الواقع المعيشي يزداد قسوة، وكنا ولا نزال في مواجهة: الأوجلنة وظلالها وتوابعها الملتزمة المفروضة على مجتمعنا، ولن نتعافى منها حتى بعد مئة سنة.

الاتفاق الحالي لم يولد من تفوق عسكري للسلطة، ولا من انكسار كردي، وإنما نتج عن تقاطع مصلحة أمريكية مع دور وظيفي للحكومة الجديدة مدعوم خليجياً، حيث التقت خطوط خارجية عند نقطة واحدة اسمها الاستقرار المؤقت، ومن هنا فالاتفاق جاء ضرورة سياسية لا منحة من أحد، ولا يمكن التعامل معه باعتباره تنازلاً من طرف تجاه طرف آخر….

رغم كل هذا وذاك، لما نزل نجد أن أدوات التحريض تعمل بوتائر عالية، بعضها بأسماء مكشوفة وبعضها بأقنعة رقمية، في الوقت الذي نجد أن إعلام السلطة- نفسها- يفتح لها الشاشات بلا مساءلة، إذ يُسمح بالسب والتحريض واختلاق السرديات الملفقة، وكأن البلاد لا تقف فوق برميل بارود، وهكذا يتراكم السم في الفضاء العام المكربن بينما الحديث، من قبل الحريصين على سوريا، والعلاقات التاريخية بين الشركاء، يدور عن تسوية، كي يبرز السؤال الأليم، ألا وهو: ترى أي منطق يقبل كل هذا التناقض؟

في الحقيقة، إن تنفيذ الاتفاق يحتاج- قبل كل شيء- ضبطاً صارماً لهؤلاء، ومحاسبة من يحرض، حتى لو كان قريباً من دوائر القرار في دمشق، لأن الكلمة المسمومة أخطر من الرصاصة حين تهيئ النفوس للقتل. مسؤولية السلطة هنا مباشرة لا تقبل التأجيل، حيث إن ترك التحريض بلا رد يساوي تشجيعاً مبطناً، كما أن على الحركة الكردية المتمثلة- بالمجلس الكردي- ووفد كونفرانس نيسان 2025 أن يصدروا بياناً بعدم الانجرار إلى مستنقع التحريض، ماعدا توضيح الحقائق، في مواجهة الملفقين، وهذه مسؤولية نخب وإعلاميي قسد ومسد اللذين لديهم كل الوثائق اللازمة لدحض الأكاذيب بيد أنهم لما يزالوا غير جادين- ماعدا بعض الأصوات القليلة- في المرافعة عن دورهما.

وهنا، لابد من الاعتراف، وبصوت عال، أن قسد -في المقابل- تتحمل عبئاً سياسياً لا يقل، إذ إنها أدارت وتدير بعد كل ما تعرضت له، الملف الكردي بعقل منفرد، ولم تُشرك المجلس الكردي في لقاءات دمشق، ولم تلتزم بالوفد الذي خرج من كونفرنس نيسان 2025، ثم مضت إلى تعيين مسؤولين من دائرتها الضيقة في مواقع الإدارة، وهو ما لا يطمع به أحد من الغيارى. ذلك السلوك يرسخ احتكاراً يضعف الموقف العام ويمنح الخصوم ذريعة جاهزة للطعن في التمثيل.

إن وحدة الصف ليست شعاراً أو طقساً احتفالياً، فحسب، بل هي شرط ديمومة ووجود وبقاء، حيث إن أي انقسام كردي يُستثمر فوراً من الخارج. من هنا يصبح توسيع المشاركة واجباً سياسياً لا مجاملة، لأن القضية أكبر من حزب وأقدم من قيادة.

موقفنا ظل ثابتاً ضد اقتتال عربي كردي وضد أي حرب داخلية، إذ لا رابح في صراع أهلي، والخاسر مجتمع كامل. مجتمع المكونات كلها. وإن رفع أصواتنا في بعض المحطات في الرد على سرديات مثقفي وإعلاميي- العمشات- كان نتيجة انفعال وغيرة، لفضح السرديات الملفقة المزورة، لاسيما من قبل مثقفين قدمنا بعضهم أو آزرناهم أو عددناهم من أسرنا، وما تسليح عشائر منفلتة إلا عبارة عن إضافة عنصر خطير إلى معادلة متوترة، ولا أقصد عشائر الوقفة الكريمة التي رفضت الدم، إنما أقصد مدمري- العشرة- مأجوري السلاح الذين قبلوا أن يكونوا أداة فوضى بلا ضابط. لأن أية بندقية بلا قانون تعني ثأراً” جوالاً” متنقلا تحت الطلب، وبرسم الاكتراء؟!

علينا جميعاً أن نكون في مستوى اللحظة المتأهبة- للانفجار- إذ إن خطورة هذه اللحظة تجعل الشائعات تنتشر، وتتوسع، إذ إن من لا يرى أو لا يريد في الاتفاق إلا محض هدنة تسبق الانقضاض لإبادة الآخر، وهناك من يراه فخاً، ويتوقع أننا على موعد أليم من جولة اقتتال ثأري قادم ضد الكرد، لاسيما إذا تابعنا فيديوهات وبثات ومنشورات بعض المتوعدين الموعودين بتنظيف مناطقنا من الكرد. إزالة هذا الوهم تستوجب قيام السلطة بأفعال ملموسة، ميدانياً، تبدأ بوضع  حد لخطاب الفتنة، وتنتهي بإغلاق باب الحرب، وفتح نوافذ الطمأنينة وإعادة نشر خطاب التآخي والسلام، وهو ليس صعباً إن بدأ ب:  خطوات ميدانية عاجلة لمحاسبة محرضين ظهروا في منصات التواصل، وفتح دعاوى قانونية بحق من يعمل على إشعال النار من الداخل أو الخارج أياً كانت هويته. العدالة هنا رسالة طمأنة لا عقوبة فقط.

 ما آلينا إليه، يحتاج يداً هادئة تفك الأسلاك لا أصابع ترتجف. يداً تفك القنبلة المزروعة التي يقف عليها بلدنا. فالحكمة السياسية تقتضي إزالة مسببات الحرب، وضبط الخطاب، وإغلاق منافذ السرقة المنظمة التي رافقت الفوضى. فثمة من يحرض على الحرب لا حباً في شعار ولا دفاعاً عن مبدأ، وإنما طمعاً في بيوت الكرد، ونهب أملاكهم، وسبي نسائهم. تلك الجرائم تتحرك في ظل الفوضى مثل ظلال اللصوص في ليلة مقمرة..

لكل هذا فإن المعادلة واضحة، لا يمكن لها أن تسوى من دون ضبط الأطراف كشرط لضبط المناطق، تحت ظل قانون نافذ لاستعادة لثقة الناس، من أجل شراكة سياسية حقيقية كشرط لاستمرار أي اتفاق. لأن الوطن لا يدار بالشعارات، وإنما من خلال إجراءات ميدانية- إسعافية- تحمي البشر. لأن هدوء الشارع مرتبط بصون كرامة الأهلين، من المكونات جميعها، وهكذا يصبح الاتفاق بداية استقرار فعلاً لا ورقة مؤقتة، وفي ذلك ما يفسح المجال أمام السلطة ذاتها، كي تنفذ مهماتها، وتبدأ عملية البناء العام المنتظر. البناء الذي سيشترك فيه كل سوري حريص: كل من جهته!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين لقد شخص حراك ” بزاف ” ( قبل التحول الى ” الحركة الوطنية الكردية ” ) منذ البداية الأزمة بعد قراءة علمية موضوعية تاريخية ، وحددها بأنها أزمة تعبيرات الحركة السياسية قبل كل شيئ ، أحزابها المتهالكة التابعة للمحاور من خارج الحدود ( الكثير من المراكز خارج الحدود عزيزة علينا والعلة ذاتية فينا ومنا ) ، وتنظيماتها المتناسلة…

نورالدين عمر تعيش الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا اليوم مخاضا عسيرا، وتواجه تساؤلات وجودية حول خسارتها الفعلية أو المعنوية لمناطق شاسعة كانت تحت سيطرتها، من منبج والطبقة وصولا إلى الرقة وريف دير الزور ومناطق في الحسكة. وبينما يصر مسؤولو الإدارة على تسويق ما يحدث كـ “صمود أسطوري” في وجه مؤامرات دولية واتفاقيات كواليس جرت في باريس أو أنقرة، يرى…

كردستان يوسف *   تمر سوريا بأحد أقسى اختباراتها الوجودية في مجال التعليم، فما كان قطاعاً حيوياً لبناء الأمة وإعداد الأجيال، تحول إلى مرآة تعكس عمق الانقسامات الجغرافية والسياسية واللغوية التي خلقتها سنوات الصراع. لم يعد الحديث عن التعليم مجرد حديث عن مناهج وكتب مدرسية، بل تحول إلى قضية معقدة تشتبك مع مسائل السيادة والهوية والاعتراف ومستقبل البلاد، فالواقع التعليمي…

أجرت ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا لقاءً رسمياً مع مسؤول الفرع السادس للحزب الديمقراطي الكردستاني الشقيق، الأخ سرحد غفوري، وذلك في إطار تعزيز العلاقات الثنائية وتطوير آليات التنسيق السياسي المشترك. وضمّ وفد ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا كلاً من: عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية، محمد أمين عمر عضو مكتب رئاسة الممثلية، فصيح كلش وباران درباس عضوي…