أخوة الشعوب بين بريق الشعار وواقع الاستحواذ

نورالدين عمر 
تعيش الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا اليوم مخاضا عسيرا، وتواجه تساؤلات وجودية حول خسارتها الفعلية أو المعنوية لمناطق شاسعة كانت تحت سيطرتها، من منبج والطبقة وصولا إلى الرقة وريف دير الزور ومناطق في الحسكة. وبينما يصر مسؤولو الإدارة على تسويق ما يحدث كـ “صمود أسطوري” في وجه مؤامرات دولية واتفاقيات كواليس جرت في باريس أو أنقرة، يرى الواقع أن الأزمة أعمق بكثير من مجرد تدخل خارجي؛ إنها أزمة بنيوية وفشل في إدارة التنوع.
إن مراجعة التجربة تفرض علينا تسمية الأشياء بمسمياتها، ويمكن تلخيص أسباب هذا التراجع في النقاط التالية:
أولا-من التحرير إلى الهيمنة.. الخطأ الاستراتيجي
لا يمكن لأحد نكران أن تحرير مناطق الطبقة ومنبج والرقة من قبضة تنظيم داعش كان ضرورة وجودية وأخلاقية، وقد قدمت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تضحيات هائلة من دماء الشباب والشابات الكرد لتحقيق ذلك. لكن “الخطيئة السياسية” بدأت لحظة إعلان التحرير؛ فبدلا من تسليم هذه المناطق لأهلها وانسحاب القوات الكردية إلى مناطقها التاريخية، جرى إحكام القبضة على مفاصل القرار. وما المؤسسات المحلية التي تشكلت إلا واجهات “شكلية” لا تملك من أمرها شيئا، بينما يظل القرار الفعلي بيد “كوادر حزبية” من خارج هذه البيئات، مما ولد شعورا بالاستلاب والاحتلال لدى المكون العربي.
ثانيا-“أخوة الشعوب”.. شعار جميل بواقع إقصائي
إن شعار “أخوة الشعوب” و”الأمة الديمقراطية” الذي ترفعه الإدارة الذاتية، اصطدم بواقع ممارسة نوع من “الديكتاتورية الحزبية”. فجوهر الإخوة الحقيقي يكمن في منح الآخر الحق في إدارة شؤونه بنفسه، لا في استغلال الشعارات الجذابة لتغطية الهيمنة الأيديولوجية. لقد أثبتت التجربة أن هذه الشعارات كانت غريبة عن نسيج المنطقة، واستخدمت كأدوات لشرعنة وجود الكوادر الحزبية في مناطق لا تتقبل أطروحاتهم الفكرية.
ثالثا-التردي الخدمي وعجز التنمية
لا يمكن كسب ولاء الشعوب بالشعارات وحدها بينما تنهار البنية التحتية. فمنذ سنوات التحرير، لم يشهد المواطن تغييرا حقيقيا في مستوى المعيشة؛ بل على العكس، تراجعت الخدمات الأساسية، وتدهورت قطاعات التعليم والصحة، واتسعت فجوة الفقر. هذا الإخفاق الخدمي حول “الإدارة الذاتية” في نظر الأهالي من “منقذ” من الإرهاب إلى “عاجز” عن تأمين مقومات الحياة الكريمة.
رابعا-المحسوبيات وتغييب المشاركة الشعبية
بدلا من بناء مؤسسات تشاركية تحتضن الكفاءات الوطنية، جرى الاعتماد على فئة محدودة من النفعيين الذين استفادوا من انتشار الفساد والمحسوبيات. هذا الإقصاء المتعمد للأصوات المستقلة والفاعلة في المجتمع جعل الإدارة تعيش في “فقاعة” بعيدة عن النبض الحقيقي للشارع، مما أفقدها الحاضنة الشعبية الضرورية لمواجهة التحديات الخارجية.
خامسا- الصدام الأيديولوجي وفرض النماذج الجاهزة
إن محاولة فرض “أيديولوجية حزبية” معينة على مجتمعات ذات طبيعة عشائرية ومحافظة في ريف دير الزور والرقة ومنبج، كانت بمثابة صب الزيت على النار. إن محاولة تغيير الهوية الثقافية والاجتماعية للناس تحت ستار “الأمة الديمقراطية” أنتجت ردة فعل عكسية، وحولت الإدارة الذاتية إلى جسم غريب داخل هذه المناطق، مما سهل مهمة أي تدخل خارجي للاستثمار في هذا السخط الشعبي.
ختاما..إن الحديث عن “مؤامرات دولية” قد يحمل جزءا من الحقيقة، لكنه لا يعفي الإدارة الذاتية من مسؤوليتها عن الفشل الداخلي. إن الصمود الحقيقي لا يكون بالتمسك بالكرسي عبر القوة والكوادر، بل بالتصالح مع الواقع، واحترام خصوصية المكونات، وامتلاك الشجاعة للانسحاب من مناطق النزاع الأهلي وتسليم القرار لأصحاب الأرض الحقيقيين. بدون ذلك، ستظل الإدارة تخسر الأرض والناس، واحدة تلو الأخرى.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي يواجه إقليم كردستان، أرض الصمود ونبض الجبل ووجع الحرية، مرة أخرى تداعيات صراع إقليمي لم يكن طرفاً مباشراً فيه، ولا يملك قرار اندلاعه، لكنه يتحمل جانباً من نتائجه الأمنية والسياسية. وتأتي الهجمات التي تستهدف مؤسسات الإقليم وشخصياته الرسمية بالصواريخ والطائرات المسيّرة لتطرح تساؤلات جدية حول احترام أمن كردستان وسيادة العراق واستقراره، ومسؤولية الأطراف الإقليمية والدولية في منع تحويل…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن المقاومة الإيرانية، شأنها شأن الشعب الإيراني، تطالب بجمهورية ديمقراطية قائمة على فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإيران غير نووية خالية من أسلحة الدمار الشامل، مبنية على السلام والتعايش والتعاون الدولي والإقليمي، وتناضل من أجل إحقاق حقوق شعبها. وبعبارة أخرى، فهي تعمل قبل كل شيء على نقل السيادة إلى أصحابها الحقيقيين،…

عزالدين ملا في ذكرى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني، تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال بميلاد شخصية سياسية، لتصبح محطة تستعيد فيها الذاكرة الكوردستانية محطات طويلة من النضال والتضحيات والتحولات التي رافقت مسيرة الشعب الكوردي. فاسم مسعود بارزاني ارتبط، بالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء كوردستان، بتاريخ الحركة التحررية الكوردستانية وبمرحلة الانتقال من زمن الثورة والمواجهة إلى زمن المؤسسات والسياسة والدبلوماسية، ولذلك تحضر…

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…