عبد الباقي جتو
منذ اندلاع الأحداث في سوريا عام 2011، وما تلاها من مراحل صراع وتحولات إقليمية ودولية معقّدة، وصولاً إلى الاتفاق المبرم مؤخراً بين القيادات الكردية والحكومة السورية الانتقالية في دمشق، طُرحت مبكراً جملة من الرؤى السياسية حول مستقبل الكُرد في كردستان سوريا، تباينت بين الطموح القومي الواسع والقراءة الواقعية لمعادلات القوة والنفوذ في المنطقة.
في هذا السياق، كان الزعيم الكردي مسعود البارزاني من بين الشخصيات التي شددت، منذ سنوات، على ضرورة الانفتاح على الدولة السورية والدخول في حوار مباشر مع مؤسساتها الرسمية، مهما كانت طبيعة السلطة الحاكمة آنذاك، انطلاقاً من قراءة واقعية لمعادلات السياسة الدولية وموازين القوى.
غير أن القيادات الكردية التي كانت تمسك بزمام القرار في غربي كردستان لم تتعامل مع تلك النصائح بالجدية المطلوبة، في ظل رهانها على متغيرات ميدانية ودعم خارجي بدا في حينه كفيلاً بفرض وقائع سياسية جديدة. إلا أن تطورات السنوات اللاحقة أثبتت أن النظام الدولي، ولا سيما القوى العظمى كالولايات المتحدة وروسيا وحلف الناتو، لا يتعامل مع مسألة تغيير الحدود أو إعادة رسم الجغرافيا السياسية إلا بما يخدم مصالحه الاستراتيجية أولاً وأخيراً.
صحيح أن الاتفاق لم يكن على مستوى تطلعات الشعب الكردي، ولا يرقى إلى ما كان يُطمح إليه من فدرالية معلنة أو حكم ذاتي رسمي، إلا أنه يكتسب أهميته من كونه يتحرك ضمن سقف الممكن السياسي. فالأهمية هنا لا تكمن في مثاليته، بل في ما يمكن أن يُنتج عنه على المدى القريب، وفي إطار الوقائع القائمة على الأرض.
فمن حيث المبدأ، يُمكن أن يفضي الاتفاق إلى اعتراف دستوري بالوجود القومي الكردي، ولو بصيغة غير صريحة، إلى جانب معالجة جملة من القضايا الحساسة المرتبطة بالحقوق الثقافية، مثل اللغة والتعليم والإعلام، فضلاً عن توسيع نطاق المشاركة السياسية والإدارية على المستوى المحلي. كما يُفترض أن يشمل معالجة ملفات عالقة، كقضية المجردين من الجنسية والتمثيل المؤسساتي، مع إمكانية فتح آفاق أوسع على المدى البعيد، كاعتماد لامركزية إدارية موسعة، وتمثيل دستوري أكثر وضوحاً، وتثبيت الحقوق الثقافية كأمر واقع، لا بوصفها منّة سياسية.
غير أن تحقيق هذه المسارات سيبقى مرهوناً بجملة من العوامل، في مقدمتها وحدة الموقف الكردي، وعدم الارتهان الكامل لأي قوة خارجية، إضافة إلى قدرة الأطراف المعنية على تحويل التفاهمات السياسية إلى آليات تنفيذية قابلة للاستمرار.
ومن زاوية أكثر واقعية، لا يمكن إغفال موقف الراعي الأساسي للعملية السياسية في سوريا، أي الولايات المتحدة الأمريكية، التي تُظهر، وفق معطيات عديدة، تفضيلها لمسار الاستقرار على حساب سيناريوهات التفكيك. ويُضاف إلى ذلك الموقف التركي الرافض بشكل قاطع لأي كيان كردي مستقل، ما يجعل هامش الحركة الكردية محكوماً بتوازنات إقليمية ودولية معقدة.
وعليه، يمكن القول إن القضية الكردية في سوريا باتت، في جوهرها، قضية توازنات سياسية أكثر من كونها قضية عدالة مجردة. لذا، فإن الاتفاق المبرم بين القيادات الكردية والحكومة السورية الانتقالية لا يمكن النظر إليه بوصفه تحقيقاً كاملاً لطموحات الشعب الكردي، ولا تراجعاً عن حقوقه التاريخية، بل كخطوة سياسية تفرضها معادلات الواقع الدولي والإقليمي.
وبين المثالية الثورية والواقعية السياسية، تبدو التجربة السورية دليلاً إضافياً على أن الحفاظ على الحقوق، ولو بالحد الأدنى، ضمن إطار الدولة، قد يكون خياراً أقل كلفة من رهانات كبرى لم يسمح النظام الدولي، حتى الآن، بتحققها.