إبراهيم اليوسف
إلى أم أيهم رفيقة دربي في بكائها الذي لم يتوقف
إلى كل الأمهات اللواتي تقفن ضد الحروب والقتل
مرّت علينا أيام جد ثقيلة كأن الزمن توقف أو انكسر داخلها، إذ لم يعد النهار نهاراً ولا الليل راحةً، إنما كنا في مهب امتداد موجات قلق لا ينتهي. خبر صادم يتلوه خبر مماثل آخر، إشاعة تسبق أخرى. رنين هواتف لا تتوقف، عيون معلّقة على الشاشات، صدور مشدودة كأن الهواء يخذلها. تلك الساعات القاسية لا يمكن اعتبارها متابعات ترفية سياسية، لما كان يخطط، ويحاك، في الوطن، للإيقاع بين الكردي وشركائه، وكلاهما ضحيتان، لنكون ككرد، أمام امتحان الوجود أو اللاوجود، إذ كان السؤال الوحيد هو: ترى هل سيبقى الكردي حراً في بيته أم سيُقتلع منه اقتلاعاً كما يخطط ويهدد بعض غلاة الأعداء: أشباه إعلاميين ونشطاء- بسطات- ومسلحين في انتظار وجبات من أرواح ودماء كردية؟!
لقد تابعنا، كيف جاء الفتك الآثم في حيي الأشرفية والشيخ مقصود بعد تسريبات مطمئنة وتفاهمات، بعد وعود التهدئة والهدنة، إلا أن الاختراقات المتتالية رُتّبت بعناية، من خلال لعبة الاعتماد على أسماء رخيصة على أنها تمثل العشائر، رغم حقيقة أن العشيرة نسيج اجتماعي متشعّب، ولا يسوغ تحميلها جريرة فتن وجرائم ومجازر ارتكبها أو يرتكبها أفراد مأجورين، حيث إن من بين أبنائها من صمدوا إلى جانب الكرد ودفعوا أثماناً قاسية، وستبقى مواقفهم محفوظة، في القلوب. غير أن آلة الحرب احتاجت ستاراً محلياً، فاستُخدم الاسم غطاءً كي يبدو الغدر شأناً داخلياً.
ثم تمددت الوقائع نحو” دير حافر” و”مسكنة” ودير الزور” و”الرقة” بعد فرمان إقليمي دولي فرض انسحاب الكرد من مناطق ظلوا فيها، مكرهين، وهي مسؤولية قادتهم الذين حفروا الأنفاق، وبنوا مدناً تحت الأرض، من دون أي مسوغ! كان الانسحاب قد أُعلن، لتفادي صدام، كخطوة ترمي إلى حقن الدماء. دماء الكرد والعرب معاً، ورغم ذلك فقد تعرضت قوات سوريا الديمقراطية لطعن مباغت، بل لغدر لئيم، لئلا يقال: إنهم انسحبوا وفق قرار دولي، وأنهم خسروا كيلومترات كثيرة. كيلومترات تدين وذووها بحماية- قسد- لها، رغم كل ما يسجل من انتهاكات على قسد، طالما تناولناها، وإن كان هناك من هم من بطانة داعش كتبة وإعلامويين ونشطاء شنطة ممن يقولون:
كان هؤلاء مواطنين أبرياء!
إذ تتم المرافعة من لدنهم عن كل هؤلاء الدواعش، وإن كانت قوات قسد تمارس الاعتقال التعسفي بحق المختلفين معها، كرداً وغير كرد، وهذا ما يمكن استقراء الحالات واحدة واحدة، لاسيما إن هناك وثائق تدين الداعشي، وهناك ما يدين المنتهك بحقوق الإنسان، فيما اعتقل أي امرىء لأجل رأي السلمي، وهو أمر مدان، لا يمكن لأحد أن يرافع عنه.
لقد كان واضحاً أن الانسحاب محفوف بالمخاطر، قبل القرار الدولي وبعده، تحت وطأة الضغوط الأمريكية المكتراة، والتحالفات الملتبسة التي دفعت قسد إلى البقاء في مناطق لا يريدها الكرد، وقد لا تريدها، قبل أن تترك وحيدة تحت وطأة سيل الاتهامات. هكذا غدا الفاعل متهماً، وصار الضحية ملاماً.
لا أتصور بيتاً كردياً نام أهلوه، أو أحد من أهليه، خلال تلك الأيام العصيبة. أمّ تجلس قرب الهاتف، أب يبدّل القنوات كل دقيقة، شباب يرسلون الرسائل لبعضهم بعضاً حتى ساعات الفجر. نفير صامت يملأ الغرف. فيديوهات تتسرّب رغم منع التصوير، لقطات سريعة تكشف ما يكفي كي يحترق القلب. موت رخيص يجري بعيداً عن العدسات، وما يصلنا مجرد شذرات، ومع ذلك تكفي لزرع رعباً عميقاً.
إعلام مأجور أدّى دوره بلا حياء، إذ راح يشوّه صورة الكردي ويقدّمه ناقضاً لاتفاق أعلن هو مبادرته. فبركات جاهزة، عناوين صاخبة، ضيوف يكررون خطاباً واحداً. لغة التحريض تُضخّ على مدار الساعة كي يُقنعوا المتابع أن الضحية تستحق ما يجري لها. هذا السلوك لم يكن خطأ مهنياً، إنما خطة محكمة لتهيئة الرأي العام ليتقبل المجزرة.
داخل البيت كان المشهد أكثر درامية. رفيقة دربي أم أيهم لطالما كانت تسهر، ولاتزال، حتى الصباح، من دون أن تتناول الطعام، يوماً أو يومين، وهي العليلة، تتابع الأخبار رغم مرضها. أراها منهكة، عينان حمراوان، يد ترتجف فوق الهاتف، وهي تمضي في نوبة بكاء أقرب إلى الحشرجة، تدمع عيناي. عيون من حولها، تختنق العبارات في فمي، وأنا أحاول أن أفتعل صناعة أو إعداد خبر مبهج، أختلق رواية تمنحها جرعة طمأنينة، أقول من ضمن ما أقول: إن خارجية البلد الفلاني أمرت بإيقاف الحرب، وأسترسل قائلاً: ألا تثقين بحكمة الرئيس مسعود الذي لا تغمض له عين لأجل كرد سوريا. أختلق مشاريع سارة وهمية من الوطن، ممن أقدمهم كأصدقاء، كأنصاف أصدقاء للكرد، كي أهدىء روعها، و روحها الجريحة. لم أكن أبحث عن دقة المعلومة البتة، إنما عن محض خيط تفاؤل، يخفف وطأة الألم العظيم، والخطب الجلل، باعتبار الكذبة البيضاء كانت- آنذاك- جرعة راحة مهدئة، شافية، قد تقتنع بها، أو لا تقتنع، قبل أن تنجلي الحقائق مع أخبار وهواتف ومجالس اليوم التالي.
لكم صدمتني تحوّلات أشخاص كنا نراهن عليهم. فجأةً اصطفّوا إلى جانب سردية ميليشيات النظام. راحوا يرددون عبارة “نفرّق بين قسد والكرد” وكأن البنادق ستتوقف عند حدود التعريفات. بينما كانت الفلول على مشارف المدن من جهات عدة، كان هؤلاء يشتغلون على تفكيك الصف الكردي. هذا الكلام لم يسوغ شيئاً، بل زاد الجرح اتساعاً، كلما استرجعت ما بيننا من تاريخ وذكريات، وأطلال مودة، مؤودة، على أياديهم؟
ثمة سؤال مُرّ لطالما لاحقني: كيف يُجبر ابن سوريا على التعلق بقوة أجنبية كي تحميه من نظام بلده؟ أية مفارقة أقسى من انتظار تدخل خارجي لوضع حد لبطش داخلي، وأرجو- هنا- ألا يحاول أحدهم التذاكي، وتذكيري، في إهاب مواجهتي، كمن يكتشف قارة، بقوله: ولم قسد نسقت مع الأجنبي في مواجهة داعش؟، لأن في صلب المحاججة ما ينسفها، ناهيك عن أن قسد ليست داعش وليست ميليشيات الإرهاب رغم كل انتهاكاتها، فقد تعرضت لحرب جد خبيثة حتى قبل أي انتهاك خارج الإطار الكردي.
إن حجم التهديد جعل التفكير عقلانياً على نحو صادم، إذ عندما يصبح الوجود مهدداً، فليس أمام المرء إلا أن يبحث عن سند، أي سند. اختلاق أي صديق، مؤازر، حتى لو جيء به محض خيالي من بعيد، أو من أقصى المخيلة. وهكذا فقد تشكلت استنتاجات مرتبطة بدعم دولي يردع مشروع إبادة يلوح في الأفق، إلا إن خبرة السنوات السابقة غذّت هذا التصور. ظلال ذكرياتنا المريرة عن المؤامرة على كركوك2017. حملات التضامن التي حاولنا تنظيمها وربطها بمبادرات أخرى، حيث طالما كانت هناك صفحات شبابية تعمل ليلاً ونهاراً، تنشر، تشرح، تعبئ، في موازاة منصات صغيرة صارت غرف عمليات معنوية، منذ حرب احتلال عفرين2018، ثم سري كانيي وقامشلي 2019، وحتى الآن، في مواجهة كل موجة قلق جديدة. ثمة جهد متراكم. خمس عشرة سنة من توتر دائم، كأن القلب لم يخلق إلا ليعيش في حالة نفير أبدي!
ولابد من الاعتراف، علناً، وبروح المسؤولية الصافعة، الصادمة، النجلاء، أنه رغم كل الاختلافات بل الخلافات، مع قيادات عسكرية وسياسية، إلا إن تعويلنا ظل على المقاتل الكردي وحده، بعد أن أعيت كل لغة أخرى، وسط حالة التحريض على الكرد. إنها ثقة نشأت من خلال معرفة طبيعة روحه، وغيريته، وتضحياته، وإصراره، واستعداده للدفاع عن الإنسان والأرض حتى الرمق الأخير.
أجل، إنها ليالٍ سوداء مرّت فعلاً، عندما انكشفت وجوه كثيرة على ماهي عليه. عندما سقطت أقنعة كثيرة: من الصديق ومن هو الرخيص المحرض ومن الذي يحمل في نفسه الدنيئة بذرة ارتكاب الجريمة ضده شريكه. في هذه اللحظات تحديداً، لطالما تحول البيت الكردي كلّه إلى خلية يقظة، ليس حرصاً على الأهلين، فحسب، بل على كل شركاء المكان. هذه حقيقة لم تصنعها بلاغات واستعارات الكتب، بل كانت نوايا البوح العائلي في السهرات الطويلة أمام الشاشات، وصوت رسائل الواتس أو المسنجر في هواتف شاطرتنا السهر، بل ساهمت في أرقنا، حرصاً على الكرد على العرب، على الجيران من الشركاء الذين سقطت وجوه” بعض” أؤكد” بعض” من تنطعوا لتمثيل ذويهم في سردية ملفقة، على حين غرة، وهم يتخلون عن شريك لصالح آخر. شريك حقق لهم الأمن، لصالح شبح مخيم مارس ضدهم الإرهاب، لنظل هكذا، باستمرار، ونحن بعيدون، ننتظر خبراً واحداً. محض خبر، يثبت أن الحياة ما زالت ممكنة، في وطن يتسع لنا جميعاً، متى ما قبلنا بالمحبة راية جامعة!