شادي حاجي
يُروَّج لاتفاق دمشق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على أنه اختراق سياسي، فيما تكشف طبيعته الفعلية أنه لا يتجاوز كونه تفاهماً أمنياً هشاً ، يفتقر إلى أي مضمون سياسي بنيوي قادر على معالجة جوهر القضية الكردية في سوريا. فالاتفاق، بصيغته الحالية، لا يؤسس لحل بقدر ما يعيد إنتاج منطق إدارة الأزمة، ويؤجّل الصراع بدل تفكيكه من جذوره.
إن أخطر ما في هذا المسار هو الإصرار على التعامل مع القضية الكردية بوصفها مسألة أمنية إدارية قابلة للاحتواء، لا قضية سياسية وطنية تتطلب اعترافاً صريحاً بالحقوق القومية المشروعة، وضمانات دستورية ملزمة، وإعادة صياغة حقيقية في الإعلان الدستوري المؤقت الحالي، وفي الدستور الدائم مستقبلاً . وبهذا المعنى، يبقى الاتفاق مهدداً بالتوقف عند مستوى هدنة هشة، قابلة للانهيار في أي لحظة، مع بقاء القضايا الجوهرية معلّقة دون أفق حل واضح.
سياسياً ، يعاني الاتفاق من فراغ خطير في الضمانات، سواء على مستوى التمثيل الحقيقي، أو على مستوى المرجعيات الدستورية والقانونية. أما إقليمياً ، فإن تجاهل العامل التركي، بوصفه أحد أكثر الفاعلين تأثيراً في الشمال السوري ككل ، يعكس قصوراً واضحاً في المقاربة الدبلوماسية، ويكشف غياب رؤية شاملة قادرة على إدارة التوازنات الإقليمية المعقّدة عبر أدوات السياسة، لا من خلال الحسابات الأمنية الضيقة.
إن استمرار حصر هذا الملف من قبل طرفي الاتفاقية بيد الأجهزة الأمنية، أو ضمن المقاربات التقنية الضيقة، لا يعكس سوى فشل بنيوي في فهم طبيعة القضية الكردية، التي هي في جوهرها قضية حقوق سياسية وقومية. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى استنفار سياسي ودبلوماسي واسع من قبل الوفد السياسي الكردي المشترك، على أن يُسند هذا الأمر—بالتعاون والتنسيق والتشاور، وبقرار ودعم وموافقت الوفد الكرد للتفاوض —إلى سياسيين ودبلوماسيين محترفين ومؤهلين، سواء من أعضاء الوفد أو من أحزابهم أو من المثقفين والأكاديميين الكرد المستقلين، ممن يمتلكون الخبرة التفاوضية، والقدرة على بناء مسارات تفاهم داخلية وخارجية، وصياغة حلول مستدامة ضمن أطر وطنية ودستورية واضحة.
وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل المسار الداخلي عن بُعده الدولي. فنجاح أي حل مستدام للقضية الكردية يقتضي تفعيل دبلوماسية نشطة تقوم على التواصل والتعاون المنهجي مع الحملة الأوروبية حول «حماية حقوق الكرد كاملة»، والاستفادة من الزخم السياسي الذي يوفره «قانون إنقاذ الكرد» المطروح في الكونغرس الأميركي. فهذه المبادرات لا ينبغي التعامل معها كأوراق ضغط ظرفية، بل كأدوات سياسية وقانونية يمكن توظيفها ضمن استراتيجية دبلوماسية عقلانية، تهدف إلى تأمين مظلة حماية دولية للحقوق، ودفع جميع الأطراف نحو حل سياسي عادل ومستدام.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى الاتفاق، إلى جانب المرسوم الرئاسي رقم (13)، بوصفه مدخلًا مشروطًا يمكن البناء عليه لإطلاق حوار وطني جاد بين أصحاب القرار في دمشق وممثلي الشعب الكردي الحقيقيين، شرط أن يكون حواراً حقيقياً لا شكلياً ، قائماً على الاعتراف بالمظالم التاريخية ومعالجتها معالجة سياسية وقانونية، وتثبيت الحقوق القومية المشروعة ضمن الدستور، بما يضمن عدم إخضاعها لاحقاً لمعادلات القوة أو التسويات المؤقتة.
إن ضمان حقوق جميع المكونات السورية، على أساس المواطنة المتساوية، والشراكة الفعلية في السلطة والثروة، لا يشكّل عبئاً على الدولة، بل شرطاً أساسياً لإعادة بنائها. فالدولة التي تفشل في احتضان تنوّعها محكوم عليها بإعادة إنتاج أزماتها، مهما كثرت الاتفاقات أو تبدّلت الأدوات.
اليوم، لم يعد مقبولاً تهميش السياسة لصالح الأمن، ولا تعطيل الدبلوماسية لصالح ردود الفعل. فالمطلوب إرادة سياسية حقيقية، واستنفار دبلوماسي منظم، تقوده نخب تمتلك الكفاءة والشرعية، وقادرة على تحويل هذا الاتفاق من إجراء مؤقت إلى مسار وطني جامع، يضع حل القضية الكردية العادلة في صلب مشروع إعادة بناء الدولة السورية، لا على هامشها.
فمن دون هذا التحول الجذري في المقاربة، سيبقى أي اتفاق مجرد تسوية هشة، وستظل القضية الكردية رهينة إدارة الأزمات، لا شريكة في صناعة الحل.
وإلى مستقبلٍ أفضل.