عدنان بدرالدين
تنويه للقارئ
يمثّل هذا المقال الجزء الرابع من سلسلة فكرية تتناول العلاقة بين المجتمع والسياسة في السياق الكردي. بعد مقاربة الغضب السياسي، وتشخيص أزمة العقل السياسي، ومساءلة إشكاليات التمثيل ومن يتكلم باسم الشعب الكردي، يتجه هذا الجزء إلى وضع القومية نفسها موضع سؤال، لا بوصفها شعارًا تعبويًا أو مسلّمة تاريخية، بل بوصفها بنية سياسية وثقافية تشكّلت في تفاعل مع الذاكرة الجماعية، وحدود المجتمع، وأفقه السياسي.
هنا لا تُناقش القومية باعتبارها هوية جاهزة، بل كعلاقة مفتوحة على النقد، قابلة للتحوّل، ومشروطة بقدرتها على تمثيل المجتمع لا مصادرته.
* * * *
هذا النص لا يناقش القومية الكردية بوصفها شعارًا جاهزًا أو مسلّمة سياسية، بل بوصفها علاقة حيّة بين المجتمع وذاكرته والسلطة التي تتكلم باسمه. وهو لا يسعى إلى نزع الشرعية عن القومية، بل إلى مساءلة الطريقة التي تُستخدم وتُدار بها، والتمييز بين ما هو حيّ في وجدان الناس، وما تحوّل إلى خطاب أو مؤسسة تعمل باسمهم أكثر مما تعبّر عنهم.
لم تعد القومية الكردية اليوم موضع سؤال لأنها فكرة خاطئة أو لأنها أخفقت تاريخيًا، بل لأنها انتقلت إلى شكل مختلف من الاستخدام السياسي والرمزي، شكل يستدعي إعادة التفكير في معناها ووظيفتها وحدودها. فالسؤال لم يعد: هل كانت القومية ضرورية؟ بل أصبح: كيف تُستخدم اليوم؟ ومن يستخدمها؟ ولأي غاية؟
ما الذي بقي من القومية حيًّا في المجتمع، بوصفها إحساسًا ومعنى وتجربة مشتركة؟
وما الذي تحوّل منها إلى خطاب يُنتَج ويُستخدم باسم الناس أكثر مما يصدر عنهم؟
لقد نشأت القومية الكردية، كما هو حال معظم القوميات في سياقات القمع والإنكار، بوصفها طاقة دفاع عن الوجود، وإطارًا يمنح الكرامة الجماعية معناها. كانت لغة تقول للناس إنهم ليسوا هامشًا في تاريخ الآخرين، وإن لهم اسمًا وذاكرة وحقًا في الحضور. ومع تراكم القهر والحرمان، لم يبقَ هذا الألم مجرد ذكرى، بل تحوّل إلى دافع لبناء مشروع سياسي يسعى إلى انتزاع الاعتراف والحقوق.
غير أن الإشكال لا يبدأ عند وجود القومية أو ضرورتها التاريخية، بل عند لحظة تصلّبها: أي حين تُنتزع القومية من سياقها التاريخي بوصفها تجربة متحوّلة، وتُعاد صياغتها كنموذج مكتمل ومغلق، يُقدَّم بوصفه المرجع الوحيد المشروع للحاضر، فتنتقل من علاقة حيّة بين المجتمع وذاكرته، إلى بنية رمزية تُوجَّه من فوق، وتُستخدم سياسيًا أكثر مما تُعاش اجتماعيًا.
القومية كذاكرة: حين يكون الماضي مادة للمعنى
حين نتحدث عن القومية بوصفها ذاكرة، لا نعني مجرد استعادة الماضي أو سرد ما جرى، بل الطريقة التي يفهم بها المجتمع نفسه من خلال هذا الماضي. فالذاكرة ليست مخزنًا للأحداث، بل أداة للفهم: لماذا نحن هنا؟ ما الذي تعرّضنا له؟ ما الذي ينبغي ألا يتكرر؟ وما الذي يمكن البناء عليه سياسيًا وأخلاقيًا؟
حين تكون الذاكرة حيّة، فإنها لا تكتفي بإستحضار الألم أو تمجيد البطولة، بل تحوّل التجربة التاريخية إلى مورد للوعي والنقد. إنها لا تُستخدم لتبرير الحاضر، بل لفهمه ومساءلته، ولا تُستدعى لتقديس ما كان، بل لاستخلاص ما يمكن تعلّمه منه.
غير أن الذاكرة، إذا انفصلت عن النقاش الحر وربُطت بالحاضر، قد تنقلب إلى عكس وظيفتها. فبدل أن تُنير الوعي، يمكن أن تُستخدم لإغلاقه: تُستحضر لتجريم السؤال، وتحريم النقد، وتبرير كل ما يجري باسم «قداسة التاريخ» أو «خصوصية القضية». عندها تتحول الذاكرة من مساحة للفهم إلى أداة للضبط، ومن مورد للتحرر إلى وسيلة لتقييد الوعي.
المشكلة هنا ليست في الذاكرة ذاتها، بل في الطريقة التي يُعاد بها تحويلها من علاقة معرفية حيّة بين المجتمع وتاريخه، إلى خطاب جاهز يُستخدم سياسيًا أكثر مما يُفكَّر فيه.
من الذاكرة إلى الأسطورة: حين يتحول الرمز إلى بديل عن الواقع
ليست المشكلة في الرموز بحد ذاتها. فالعلم، والأغنية، وصور الشهداء، والمناسبات الوطنية، كلها عناصر طبيعية في حياة أي جماعة سياسية تسعى إلى تثبيت معناها المشترك. الرمز، في حالته الصحية، يُفترض أن يكون جسرًا بين الذاكرة والفعل، وبين الماضي والحاضر.
حين ينفصل الرمز عن الواقع الذي يُفترض أن يُحيل إليه، ويتحوّل من أداة لفهم التجربة التاريخية ومساءلتها إلى بديل رمزي عن الممارسة السياسية الفعلية، لا يعود دوره دفع المجتمع إلى تغيير شروط حياته، بل يقتصر على ملء الفراغ الناتج عن غياب السياسة، ومنح إحساس زائف بالفعل من دون تغيير في الواقع.
حين يُرفع الرمز في الفضاء العام بينما تتدهور شروط العيش الكريم في الحياة اليومية،
وحين يُستدعى الماضي كلما تعقّد الحاضر،
وحين يُطلب من الناس أن يتماهوا مع الوضع القائم بدل أن يُسائلوا الواقع الذي يشكله،
يتحوّل الرمز تدريجيًا إلى أداة للهروب من الأسئلة لا إلى مدخل لمواجهتها.
حين يُرفع العلم بدل أن يُسأل عن الفساد،
ويُحتفى بالشهداء بدل أن تُطالب العدالة بحقوق الأحياء،
ويُكرَّر الشعار بدل أن تُناقش شروط حياة الناس اليومية،
تصبح الرموز أداة للهروب من الواقع لا وسيلة لتغييره.
هنا لا يُلغى الرمز، ولا تُنفى قيمته العاطفية، بل يُفرغ من وظيفته الأصلية. فبدل أن يربط الذاكرة بالفعل السياسي، يصبح حجابًا بينها وبين المجتمع، وبدل أن يُذكّر بما ينبغي تغييره، يُستخدم لتبرير بقائه كما هو.
تحويل الهوية إلى وظيفة سياسية
من الطبيعي أن يرتبط الإنسان بهويته الثقافية واللغوية والتاريخية. هذا الارتباط ليس مشكلة في ذاته، بل أحد أشكال تشكّل المعنى والكرامة الفردية والجماعية. فالهوية، في أصلها، مجال للانتماء والتفاعل، لا أداة للفرز أو الإقصاء.
غير أن الإشكال يبدأ حين تتحول الهوية من علاقة ثقافية–اجتماعية إلى وظيفة سياسية. أي حين تُستخدم لتوزيع الشرعية، وتنظيم الولاءات، وتحديد من يحق له الكلام باسم الجماعة، ومن يُنظر إليه بوصفه مشكوكًا فيه أو خارجًا عن «الإجماع».
في هذه اللحظة، لا تعود الهوية إطارًا مفتوحًا للتعدد، بل تتحول إلى أداة ضبط سياسي واجتماعي: تُعرّف الوطني الصالح، وتُصنّف المختلف، وتضع حدودًا غير معلنة لما يجوز قوله أو التفكير فيه باسم القضية.
وهنا تنتقل القومية من كونها تعبيرًا عن المجتمع إلى وسيلة لتنظيمه وضبطه. فلا يُطلب من الفرد أن يكون جزءًا من جماعة سياسية حيّة، بل أن يؤدي دورًا هوياتيًا محددًا سلفًا، تُقاس شرعيته بمدى التزامه بخطاب جاهز، لا بقدرته على النقد أو الإسهام.
القومية كمؤسسة: من التعبير إلى الضبط السياسي
حين تتحول القومية إلى مؤسسة، لا يعود المقصود بها مجرد كيان تنظيمي أو إطار قانوني، بل منظومة سياسية–رمزية تُعاد من خلالها صياغة الهوية، وضبط الذاكرة الجماعية، واحتكار حق تمثيل القومية وتحديد معانيها وحدودها. وهو الفهم الذي يُعتمد عليه هنا عند الحديث عن القومية بوصفها «مؤسسة»، لا بمعناها الإداري المحايد، بل بوصفها أداة لإنتاج الشرعية وتوجيه المعنى والسلوك في المجال العام.
في هذا التحول، يُفرَّغ التعبير الاجتماعي للقومية من مضمونه بوصفه علاقة حيّة ومتغيّرة بين المجتمع وذاكرته، أي بوصفه فهمًا نقديًا للتاريخ، ليُستبدل بنمط من الضبط السياسي القائم على الاستدعاء الانتقائي، وفرض هذا الاستدعاء بوصفه النسخة الوحيدة المشروعة. وهي بذلك لا تعود مجالًا مفتوحًا لإنتاج المعنى، بل نظامًا معياريًا يحدّد من هو ‹الوطني الصالح›، ويصنّف المختلف، ويرسم حدود المقبول والمرفوض باسم القضية.
وفي هذا السياق، لا يعود التاريخ مادة مفتوحة للتعلّم من التجربة بكل تناقضاتها، بل يُعاد تجميده في سردية انتقائية تُقدَّم بوصفها «الحقيقة القومية الوحيدة»، وهو ادّعاء لا يفضي في الواقع إلى حقيقة واحدة، بل إلى تعدّد «حقائق قومية وحيدة» متنافرة، تتصارع فيما بينها على احتكار المعنى والشرعية.
تُنتقى من هذه السردية لحظات بعينها، وتُعزل عن سياقها، وتُحمَّل معنى ثابتًا، ثم تُفرض معيارًا لضبط الحاضر: لا لفهمه أو مساءلته، بل لتحديد ما يجوز وما لا يجوز قوله أو التفكير فيه باسم القومية.
هكذا يُقلب منطق القراءة التاريخية رأسًا على عقب؛ فبدل أن يُقرأ الماضي لفهم الحاضر، يُستدعى الماضي لإغلاقه.
قد تتجسّد هذه المؤسسة في حزب، أو سلطة قائمة، أو جهاز إعلامي، أو شبكة مصالح تُنتج خطابًا واحدًا للقومية، وتقدّمه بوصفه التعبير المشروع الوحيد عنها. ومع ترسّخ هذا الشكل، يحدث تحوّل مموه في المعنى: تصبح القومية ملكية رمزية لمن يحتكر تعريفها، لا علاقة حيّة مع المجتمع الذي يُفترض أنها تعبّر عنه.
وهنا يظهر التوازي البنيوي مع أزمة التمثيل السياسي: فكما يفقد التمثيل شرعيته حين يحتكر الصوت ويقصي التعدّد، تفقد القومية معناها حين تتحول إلى أداة ضبط وهيمنة، لا مساحة مشتركة لإنتاج الهوية والمعنى.
انفصال القومية عن المجتمع: اختلاف الزمن واللغة
شهد المجتمع الكردي خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة في وعيه، ووسائل تعبيره، وتوقعاته من السياسة. أجيال جديدة لم تعد تنظر إلى الهوية بالطريقة نفسها التي نظر إليها جيل القمع المباشر والعمل السري، لا لأن هذه الأجيال أقل ارتباطًا بقضيتها، بل لأن شروط حياتها اليومية، ولغتها، وأفقها السياسي تغيّرت.
بعبارة أبسط، تغيّر المجتمع أسرع من الخطاب الذي يُنتَج باسمه.
حين تستمر المؤسسة في مخاطبة المجتمع بلغة تنتمي إلى زمن آخر، لا يعود الخلاف مجرد اختلاف في الرأي، بل يتحول إلى فجوة زمنية. المجتمع يعيش في إيقاع مفتوح وسريع، بينما تتحرك المؤسسة في زمن أبطأ، مغلق، يعيد إنتاج نفسه بدل أن “يُنصت” إلى ما تغيّر حوله.
في هذا السياق، تظهر ظاهرة مألوفة: كلما ضعفت السياسة في الواقع، ارتفعت جرعة القومية في الخطاب.
حين تتعطّل آليات القرار والمساءلة، يزداد الحديث عن «المرحلة التاريخية».
وحين تفشل الإدارة في معالجة أبسط شؤون الناس، يتقدّم الشعار بوصفه بديلًا عن الحل.
نرى ذلك مثلًا حين تُرفع صور الرموز وتُستعاد خطابات الماضي في اللحظة نفسها التي تتراجع فيها الخدمات، أو حين يُطلب من الناس الصبر باسم «القضية» بينما تُترك مشاكلهم اليومية بلا إجابة.
في مثل هذه اللحظات، لا تُستدعى القومية لتفسير الواقع أو تغييره، بل لتخفيف وطأة الفشل فيه: فالشعار أسهل من الحل، والعاطفة أسرع من التفكير، والرمز أقل كلفة من العدالة.
نحو قومية مجتمعية لا مؤسسية
إذا تحولت القومية إلى مؤسسة مغلقة، فإنها تخنق المجتمع باسم الهوية.
وإذا انهارت القومية بوصفها رابطًا جامعًا، قد يتحول المجتمع إلى جزر متجاورة بلا أفق سياسي مشترك.
لهذا، لا يكون المطلوب تقديس القومية ولا إسقاطها، بل إعادة تعريفها على نحو يجعلها قابلة للحياة في واقع متغيّر.
والمقصود بالقومية المجتمعية هنا ليس خطابًا أخلاقيًا عامًا، ولا بديلًا عن السياسة، بل تصورًا للقومية بوصفها علاقة مفتوحة تتشكّل من داخل المجتمع نفسه، وتستمد معناها وشرعيتها من التجربة اليومية للناس، ومن مطالبهم في الحقوق والعدالة والكرامة، لا من احتكار التمثيل أو ضبط الهوية من فوق.
بعبارة أوضح، المطلوب قومية تنبع من المجتمع بدل أن تُفرض عليه.
قومية تربط الهوية بالحقوق لا بالولاء،
وتربط الذاكرة بالنقد لا بالتحريم،
وتربط المشروع القومي بالعدالة الاجتماعية لا بالشعار وحده،
وتربط الجماعة بحرية الفرد، لأن الجماعة التي تُهين الفرد تهدم نفسها من الداخل.
بهذا المعنى، لا تعود القومية خزانًا للماضي فحسب، بل إطارًا للمستقبل.
وتصبح الذاكرة موردًا للمعنى والتعلّم، لا وسيلة للهيمنة أو الإغلاق.
بدلًا من الخاتمة: القومية بوصفها علاقة لا ملكية
كما أن التمثيل السياسي ليس امتيازًا دائمًا يُمنح لنخبة أو مؤسسة، كذلك القومية ليست صكًّا يُحتكر أو يُصادَر باسم الناس من دونهم. فالقومية، في معناها الحي، ليست ملكية رمزية، بل علاقة مستمرة بين المجتمع وذاكرته وأفقه السياسي.
بمعنى آخر، القومية لا تعيش في الخطاب وحده، بل في الصلة الفعلية بين الناس وما يُقال باسمهم.
حين تنقطع هذه العلاقة، لا تختفي القومية، لكنها تتحول إلى توجيه للهوية: تُرفع في الكلام، وتُفرغ في الممارسة. عندها يُصبح الاسم حاضرًا، فيما يغيب المعنى، ويستمر الادعاء بالتمثيل بينما يتضاءل مضمونه الاجتماعي.
من هنا، قد لا يكون السؤال الأهم هو: من يملك القومية؟
بل: كيف تُستعاد بوصفها مساحة مشتركة تتسع للاختلاف، وتستمد شرعيتها من المجتمع ذاته، لا من مؤسسة تتكلم باسمه؟
…