شادي حاجي
يُقدَّم الاتفاق المُعلَن بين السلطة المؤقتة في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بوصفه خطوة نحو توحيد البلاد وتسوية بعض مطالب المجتمع الكردي. وقد نجح، في حدّه الأدنى، في وقف إطلاق النار وتجنيب الشعب الكردي ومناطقه عموماً سيناريو مواجهات عسكرية واسعة كانت ستُخلّف كلفة إنسانية واجتماعية كارثية. وفي هذا المعنى، يُسجَّل لطرفي الاتفاق إنجازٌ مرحلي أسهم في خفض منسوب العنف وحماية السكان من حرب كانت وشيكة.
غير أن قراءة الاتفاق من زاوية الإعلان الدستوري المؤقت الذي أعلنه الرئيس أحمد الشرع، بوصفه الإطار الناظم للمرحلة الانتقالية، تكشف أن هذا التفاهم بقي محصوراً في نطاق أمني–إداري، جرى تغليفه بلغة سياسية عامة وفضفاضة ، من دون أن يحمل مضموناً دستورياً تأسيسياً يعالج جذور الصراع.
فالإعلان الدستوري المؤقت، بطبيعته، ليس وثيقة تهدئة أو إدارة أزمة، بل نص يُفترض أن يعيد تعريف الدولة والعلاقة بين السلطة والمجتمع في مرحلة انتقالية. ومن هذا المنظور، لا يرتقي الاتفاق من مستوى إدارة الصراع إلى مستوى تفكيك أسبابه السياسية والقانونية، بل يؤجّلها إلى أجل غير محدد.
ترد عبارة «توحيد الأراضي السورية» في الاتفاق من دون أي ربط بشكل الدولة أو بتوزيع السلطة فيها. ففي نص دستوري جاد، لا تكون الوحدة نقيضاً للاعتراف بالتعدد القومي والثقافي، بل إطاراً دستورياً له. أما في هذه الصيغة، فتُستخدم العبارة كغطاء لإعادة إنتاج المركزية القديمة، لا كمبدأ جامع لدولة متعددة.
كذلك، جاء الحديث عن «دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة» من دون أي اعتراف بشرعية سياسية سابقة، أو ضمان لاستمرار تمثيل محلي منتخب. ويعكس هذا الدمج، بصيغته الراهنة، عملية احتواء إداري تُنهي البنية القائمة بدل تطويرها ضمن شراكة انتقالية أو عقد اجتماعي جديد.
أما «تسوية الحقوق المدنية للمجتمع الكردي»، فهي صيغة إجرائية لا ترقى إلى مستوى الاعتراف الدستوري. فالحقوق المدنية حقوق فردية في الأصل، وتسويتها بعد عقود من الإقصاء لا تعالج التمييز البنيوي، ولا تؤسس لمساواة فعلية ما لم تُقرن بحظر دستوري صريح للتمييز القومي. وبهذا تُختزل القضية الكردية من قضية حقوق شعب وأرض وشراكة سياسية ومواطنة متساوية إلى ملف إداري قابل للتسوية أو التعليق.
وتبلغ الضبابية ذروتها في عبارة «الحقوق التربوية للمجتمع الكردي». فغياب نص دستوري مؤقت يقرّ بالتعدد اللغوي وحق التعليم باللغة الأم يجعل هذه الحقوق استثناءً هشّاً قابلاً للإلغاء، لا حقاً مُحصَّناً. وهذا الغياب ليس تفصيلاً تقنياً، بل خياراً سياسياً واعياً يُبقي المسألة الثقافية خارج الحماية الدستورية.
أما دمج القوات العسكرية والأمنية، فقد طُرح من دون ربطه بإصلاح شامل للقطاع الأمني أو بسلطة سياسية انتقالية جامعة، ما يعني عملياً سحب الورقة العسكرية من يد «قسد» من دون تقديم ضمانات دستورية مقابلة للمجتمع الذي تدّعي تمثيله.
في تجارب انتقالية أخرى، كجنوب أفريقيا بعد نظام الفصل العنصري أو إسبانيا بعد نهاية حكم فرانكو، جرى التعامل مع التعدد القومي واللغوي بوصفه مسألة دستورية تأسيسية لا بنداً تفاوضياً مؤقتاً. فوحدة الدولة هناك لم تُبنَ على نفي التعدد، بل على دسترته وحمايته ضمن نصوص عليا مُلزِمة.
المفارقة أن طرفي الاتفاق قبلا بصيغة تُبقي جوهر القضية الكردية في الإطار الأمني والإداري، وتؤجّل نقلها إلى المجال الدستوري حيث يُفترض أن تُحسم. فالسلطة في دمشق تتجنب استحقاق الاعتراف الدستوري، بينما تقبل «قسد» بتسوية تُفرغ تمثيلها السياسي من مضمونه مقابل ضمانات مرحلية.
خاتمة
إن الاتفاق، مهما قُدِّم بوصفه إنجازاً في خفض منسوب العنف وتجنّب مواجهة عسكرية مدمّرة، يبقى تسوية ناقصة وقابلة للارتداد ما لم يُنقَل جوهره بوضوح وحسم من المجال الأمني–الإداري إلى المجال الدستوري التأسيسي. فالقضية الكردية ليست مسألة إدارة مناطق ولا تسوية حقوق مدنية مؤجلة، بل قضية شعبٍ تعرّض لعقود من الإنكار والإقصاء والتمييز الممنهج، وقدّم تضحيات جسيمة دفاعاً عن وجوده وكرامته وحقه في الشراكة السياسية.
إن الإبقاء على جوهر هذه القضية خارج النص الدستوري، وتدويرها في تفاهمات أمنية قابلة للتعديل أو الإلغاء، لا يعني سوى إعادة إنتاج الظلم نفسه بأدوات أكثر نعومة. فالتجربة السورية، كما تجارب شعوب أخرى، أثبتت أن ما لا يُحمى بالدستور يُسحب لاحقاً بالقوة أو بالقرار الإداري. ومن هنا، فإن أي حديث عن وحدة الدولة أو المرحلة الانتقالية، من دون اعتراف دستوري صريح بالتعدد القومي واللغوي، ليس سوى استمرار للسياسات التي أوصلت البلاد إلى الانفجار.
وتقع المسؤولية هنا على طرفين بوضوح لا لبس فيه: سلطةٍ تتهرّب من استحقاق الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي بوصفه مكوّناً أصيلاً وشريكاً في الوطن، لا جماعة تُمنَح حقوقها بالتقسيط؛ وقوى سياسية كردية يُفترض أن تكون على مستوى تضحيات مجتمعها، عبر الانتقال من منطق إدارة الأمر الواقع أو الرهان على الضمانات الأمنية، إلى خوض معركة دستورية وسياسية مفتوحة لتثبيت الحقوق القومية والسياسية والثقافية والاجتماعية في صلب النص التأسيسي.
فمستقبل أجيالٍ كاملة لا يمكن أن يُرهن بتفاهمات مؤقتة أو وعود غير مُلزِمة. وما لم تُحسَم القضية الكردية اليوم في الدستور، باعتبارها مسألة عدالة تاريخية وشراكة متكافئة، فإن تأجيلها لن يكون حيادياً، بل انحيازاً صريحاً ضد شعبٍ دفع أثماناً باهظة ولا يملك ترف الانتظار مرة أخرى.
إن دسترة التعدد ليست تنازلاً ولا خطراً على وحدة الدولة، بل الشرط الوحيد لبقائها. أما استمرار الهروب من هذا الاستحقاق، فلن يؤسّس لاستقرار، بل لجولة جديدة من الصراع، ستكون كلفتها أكبر، ومسؤوليتها السياسية والأخلاقية أوضح.
وإلى مستقبل أفضل