في بؤس استخدام مصطلح” التحرير” الملفق

إبراهيم اليوسف

 

من تحرر ممن؟

في نقض المصلح:

 لقد فقد مصطلح “التحرير” تطبيقه العملي في سوريا، إذ بات يستخدم على نحوٍ مضلل، وصار يُطلق مع كل تبدل في القوة المسيطرة، لا مع كل تغيير حقيقي في حياة الناس. ونتذكر أنه عندما هيمن تنظيم داعش على مناطق سورية واسعة، قيل إن هذه المحافظات تحررت، ليكرر المصطلح نفسه عندما دخلت قوات جديدة هذه المناطق، ليقال مرة أخرى: إن التحرير تحقق، ثم حين تبدلت مظلة التحالف وقُدمت قوى أخرى بديلة قيل إن التحرير اكتمل، واليوم يُروَّج لخطاب يقول إن الخلاص كان من الكرد. هذا التتابع التناقضي السريع في إعلان التحرير يكشف خللاً واضحاً في المفهوم، حيث الكلمة تُستخدم لتبرير انتقال السيطرة لا لإنهاء القهر، من دون أن يعلم هؤلاء أن المهمة واحدة منذ سيطرة داعش إلى اللحظة الحالية التي انتشى فيها الرئيس المؤقت أحمد الشرع، والمهرولين إلى خيمته، ومتعهدو الخيمة المحليين والإقليميين والخليجيين، من دون أن يعرفوا أن مهمة تدميرية جديدة في الانتظار!

ولعل السؤال المنطقي يفرض نفسه: من كان يحكم فعلاً؟ هل كانت الإدارة بيد مكوّن محلي أم بيد التحالف الذي رسم الحدود وحدد الأدوار وبدّل ويبدل اللاعبين ليكرس الانقسام الوطني؟ للإجابة عن مثل هذا السؤال فإن الوقائع تشير إلى أن القرار كان وظل خارجياً، وأن القوى المحلية، عربيةً كانت أم كرديةً، عملت ضمن هامش مرسوم لها. لذلك يصبح اتهام طرف بعينه تضليلاً للرأي العام، إذ الحاكم الفعلي لم يتغير، إنما تغيّر المتعهد.

التحرير الحقيقي الدقيق ليس خروج قوة ودخول أخرى، تحت أمرة جهات دولية لها مخططاتها، إنما يكمن في استعادة الناس لقرارهم وسيادتهم وأمنهم اليومي.  إذ إن تحرير فلسطين من الاحتلال  هو فعل واضح فيما لو وفى الرئيس المؤقت الشرع بعهده- وكان رجلاً-، كما كان تحرير القدس من الغزاة حدثاً تاريخياً محدداً  حققه كرد ضمن حالة تشبه حالة: قسد، رغم وجود من خانهم أيضاً، في تلك المرحلة، كما إن تحرير اللواء الاسكندروني وكيليكية من تركيا يعني استرجاع أرض سورية مسلوبة، وإن عودة سوريا إلى السوريين على نحو فعلي- لا كما يتم الآن- وعشرات الآلاف من المرتزقة الأجانب من ضمن جيش دفاع دمشق، بمن فيهم القادة، ناهيك عن وجود الوصي التركي في غرفة العمليات منذ أن استلم الجولاني القصر الجمهوري من سلفه، بشكل سلمي، بمعنى أن التحرير يتجسد في إنهاء الوصاية الخارجية لا  مجرد استبدال راعٍ براعٍ. أما كل ما عدا ذلك فإنه يبقى محض إعادة توزيع نفوذ لا أكثر.

من هنا تنطلق هذه القراءة، إذ الهدف تفكيك المصطلح قبل تفكيك الوقائع، لأن تسمية الأشياء بغير أسمائها تُبقي المجتمع يدور في حلقة وهم، بينما الحقيقة أبسط: إذ لا ولم ولن يتحقق تحرير ما دام القرار خارج الإرادة السورية.

بهذا فإن كلمة ال”تحرير” فقدت وزنها إذ إن التداول الشعبوي الببغاوي استهلكها حتى صارت إشارة دعائية أكثر منها واقعاً قابلاً للقياس، حيث يكفي أن تتبدل القوة المسيطرة حتى يُعلن أن الأرض تحررت، وهكذا يتحول اللفظ إلى قناع لغوي يخفي تبادلاً في السلطة لا انتقالاً في حياة الناس. إن التحرير في المعنى الدقيق هو رفع وإزالة حالة قهر ملموس وإقامة إدارة عادلة وضمان أمن يومي وكرامة مصونة، بينما لا يحقق تبديل مركز السيطرة مع بقاء الخوف على حاله سوى تغيير اللافتة. لذلك صار المصطلح يُستخدم لتسويق كل مرحلة جديدة، بينما البيوت تبقى قلقة والناس تنتظر خبزاً واستقراراً.

 

التحالف وأعوانه الشغيلة متعددي الهويات

 إدارة نفوذ لا حكم وطني

السلوك العام للنخب والعوام يكشف، حالياً، هذا الخلل الفاضح بوضوح، إذ إن الذين هللوا لقوات الأمر الواقع عادوا أنفسهم يهللون للقادم الجديد. الهتاف انتقل من اسم إلى اسم بالحماسة ذاتها، من قسد إلى جيش الجولاني، وهلمجرا في دورة لن تنتهي إلا بعودة وعي السوريين، طالما إن الواقع لم يتحرك خطوة واحدة نحو حرية فعلية. هذا التكرار يدل على أن الولاء اتجه إلى الغالب لا إلى معيار العدالة. المشهد كان احتفالاً بالقوة لا احتفالاً بالحق. من هنا يظهر أن المشكلة في الوعي السياسي قبل أن تكون في تبدل اللاعبين.

الرقة ودير الزور تقدمان المثال الأكثر صراحةً، إذ القوة التي حكمت عملياً كانت التحالف الدولي عبر أدوات محلية، ثم إن التحالف ذاته كان وراء إعادة الترتيب، فأي تحرير تم؟. الراعي نفسه أمسك بالخيوط في المرحلتين، فتح الباب ثم أغلقه، سلّم ثم استلم، لذلك لم يكن ما حدث تحريراً بل إدارة نفوذ. وإذا كان الحكم بيد الخارج في الحالتين، فكيف يُصاغ الأمر كخلاص وطني؟ المسألة بدت أقرب إلى شركة دولية تستبدل بأخرى، حيث العقد قائم والواجهة متبدلة.

ولابد من الانتباه، إلى أن التحريض ضد الكرد جاء لتغطية هذه الحقيقة. فقد جرى اختراع خصم داخلي كي تُصرف الأنظار عن اليد التي تدير المشهد من الخارج.  وها هي ذي الوقائع الرقمية تكسر السردية من أساسها، إذ  إن الأخوة العرب السورييين شكلوا نحو سبعين في المئة من قوات سوريا الديمقراطية، بينما شكل الكرد نحو ثلاثين في المئة، فحسب، ولايزال الأنموذج الأكثر وطنية وسورية والأكثر مواجهة للإرهاب، رغم كل المآخذ التي سجلناها. هذا الرقم وحده يكفي لطرح سؤال بسيط: هل هو تحرير عرب من عرب؟ إذا كانت الغالبية من أبناء المناطق نفسها، فإن الحديث عن احتلال قومي ادعاء دعائي لاستعداء السوريين على السوريين، لا أكثر.  شخصياً لا ألوم هؤلاء المقاتلين، ولا أحمّل الطرف الكردي وحده- الآن بعد طوال نقدي له قبل وصول الجولاني إلى دمشق- عبئاً أخلاقياً، إذ إن الطرفين كانا أدوات ضمن ترتيبات أكبر منهما. القرار لم يكن بأيديهم، كما أن الجولاني اليوم مجرد أداة ضمن شبكة مصالح. الخاسر الوحيد هو السوري.

موقفي الشخصي ظل واضحاً منذ البداية إذ لم أكن مع بقاء المقاتل الكردي خارج مناطقه بعد دحر تنظيم إرهابي متطرف. المهمة كانت محددة بزمن وهدف، وقد تحقق الهدف، وإن عاد التنظيم في لباس آخر، وهو أشد فتكاً وثأرية، ونشراً للكراهية واستساغة التدمير والقتل والسلب والسطو والسبي، فقد كان يفترض على الطرف الكردي الرجوع، وإن كان الأمر ليس بيده. لقد كان مكرهاً على البقاء في تلك المناطق كما كان مكرهاً على الانسحاب وليس نتيجة هزيمة أمام مقاتلين مرتزقة عابرين. أجل، لقد نقدت هذا التمدد علناً لأن أي قوة حين تخرج من بيئتها تفتح باب الشبهات، حتى لو كانت النية دفاعاً. إنما هذا النقد لا يحول القادم الجديد إلى محرر، فالاستبداد حين يغيّر شكله لا يفقد طبيعته. لذلك يصبح المعيار واحداً: هل تحققت الحرية على نحو ملموس لنشر العدل بشكل يومي؟ إن لم يتحقق ذلك فإن هذه المفردة تفقد معناها، وهي فاقدة له أصلاً.

انضمام المقاتلين الكرد إلى جيش وطني أمر ممكن، شريطة إصلاح أيديولوجيا قيادته- المتجولنة- وبناء مؤسسة مهنية خاضعة للقانون لا للعقيدة. إذ إنه عند تحقق هذا الشرط – وحده- يصبح الانخراط خطوة منطقية لأن الهدف حماية المجتمع لا حماية تشكيل بعينه. باعتبار أن الجيش الذي يقوم على المواطنة يوحّد، والجيش الذي يقوم على عقيدة ضيقة يكرر الأزمة.

بهذه الرؤية التي أتبناها وأنطلق منها يتضح أن معركتنا الحقيقية ليست بين مكونات المجتمع، إذ إن الحاكم الفعلي ما زال خارجياً يمسك بالخيوط من وراء الستار. وإن كل أصناف التنابذ والتشاتم تخدمه لأنها تطيل أمد هيمنته وغطرسته بعضلات مستعارة، وتحول السوري إلى خصم لأخيه.  إنها الدعوة الحقيقية- الآن- إلى أخوّة واضحة ووعي مشترك، لأن الداخل حين يتماسك يضيق هامش التدخل، وحين يتشظى يتوسع نفوذ الغريب، وأن كل تحرير حقيقي يبدأ من كسر ربقة هذا الانقسام، لا من عبر تبديل راية فوق مبنى رسمي. كل ما عدا ذلك يبقى ضجيجاً سياسياً بينما الأرض تنتظر حياةً أكرم وأجمل بعد كل هذا القبح الذي يبلغ أوجه اليوم في سوريانا جميعاً.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…