خالد جميل محمد
الناس يحتاجون إلى أن تنشغلوا بهم لا بأنفسكم وظهوركم (البطولي) على حساب آلامهم
ليس المقامُ مقامَ الخوضِ في أساليب البلاغة والاستعارات اللغوية، بل هو مقام الإشارة إلى ما هو وَجَعٌ شديد ومعاناةٌ تحتاج إلى وقفة إنسانية، تشيد بأشخاص وَجِهاتٍ فعلوا الخير وهم متوارون عن الأنظار، بل يبتعدون عن الأضواء والشاشات، وأشخاص آخرين استغلوا ظروف القهر والمعاناة، وأخذوا يوهمون الآخرين بأنهم وراء كلّ ما يُقدَّم من مساعدات مادية أو معنوية أو إعلامية أو دبلوماسية أو سياسية، لروجافاى كوردستان.
في هذا السياق، حتى لا تكثر تأويلات المستفيدين من “الرقص على جراح أبناء روجافاى كوردستان”، وهم من أبناء روجافاى كوردستان، أتوجه بكل الشكر لإخواننا الكورد في باشورى كوردستان حكومةً وشعباً وقياداتٍ وأحزاباً وتنظيماتٍ ومؤسساتٍ وإعلاماً ومخلصين أوفياء، فما قدّموه لأهلنا في روجافاى كوردستان، أسمى بكثير من كل عبارات الشكر والتقدير، وهو ما يجب أن يبقى خالداً في ذاكرتنا على مرّ الأجيال. ولكي لا تنحرف التأويلات بعيداً، فإن المعنيين بهذا المنشور هم مِن (أبطال) روجافا الباحثين عن (التريندات) والذين يمارسون الرقص على جراح الناس، لكسب أكبر كَمٍّ من الإعجابات والشهرة والتصفيق في شبكة التواصل الاجتماعي، ويَظهروا بمظهر الأبطال.
دون استطرادٍ أو إطناب، أقول للذين يُظهِرون أنفسهم على الشاشات وفي وسائل التواصل الاجتماعي وفي الصور الاستعراضية بأنهم وراء كل الدعم والمساعدات الإنسانية التي ترسَل إلى روجافاى كوردستان من إقليم كوردستان أو من أي مكان آخر، كفى استخفافاً بعقول الناس وآلامهم، فالجراح عميقة وفاعلو الخيرِ الحقيقيُّون يتجنّبون الظهور أصلاً، ومزاحمة (أبطالنا) تكاد تُخفي عظَمَة مواقف أولئك الخيّرين.
في هذه الأيام العصيبة، لوحظ أن فئةً واسعة من (أبطال التريندات) استفادت من هذي الجراح، وواتتهم فرصةُ ليمارسوا الرقص بطرُق من الاستعراض لا تخفى أبعادها على المتأمل في تفاصيلها الموِجعة، في حين أننا شهدنا بوضوح أن أشخاصاً من باشورى كوردستان تبرعوا بمئات آلاف الدولارات ورفضوا أن يُذكَر اسمهم، بل رفضوا المجيء بأنفسهم إلى مكان التبرع، ورفضوا الظهور على وسائل الإعلام، احتراماً لفعل الخير الذي أدّوه، واحتراماً لمن سيصلهم هذا الخير، في الوقت نفسه، شهدنا ولا نزال نشهد أشخاصاً من (أبطالنا) يمارسون ضروباً من الاستعراضات المكشوفة، وكأنهم وراء تحريك الرأي العام الكوردي والعالمي لإنقاذ الناس من المحن المتعاقبة في ظل الأزمات المتراكمة، في روجافاى كوردستان.
التغطية الإعلامية، ضرورية ولا بدّ منها، وجهود القائمين بها في حدود التغطية الإعلامية الجادّة مشكورة، ولا تحتاج إلى الإشادة بها، ضمن حدود قيم ومبادئ العمل الإعلامي الجادّ، والمساهمون في حملات التبرع كذلك جهودهم مشكورة، لكنّ المؤلم هو أن يَظهرَ مَن لا علاقة لهم بأيٍّ من آليات جمع وإيصال المساعدات، سوى الصور والشعارات، لكنهم يخلقون لدى الناس تصوراً / وهماً، بأنهم وراء كل شيء، وبأن طُرُقَ إنقاذ روجافاى كوردستان تمرّ من بين أيديهم(!)، ولولاهم لكانت العواقب وخيمة(!). والمؤلم أيضاً أن يتحول التضامن مع أهلنا هناك، إلى فرصة للبطولات الوهمية القائمة على الشعارات والتجييش والتهييج العاطفيينِ، بعيداً عن المنطق والعقل وممارسة السياسة والدبلوماسية والعمل الإعلامي الحقيقي.
كفى رقصاً على جراح الناس… كفى بطولات دونكيشوتية، كفى شعارات.. فالناس يحتاجون إلى الأفعال (كما لاحظنا عند أهلنا في باشورى كوردستان). فالناس لا يحتاجون إلى الكلام واللقطات البطولية وراء الشاشات وصفحات التواصل الاجتماعي… الناس يحتاجون إلى أن تنشغلوا بهم لا بأنفسكم وظهوركم (البطولي) على حساب آلامهم.