شادي حاجي
تقف سوريا اليوم أمام لحظة مفصلية، حيث تتقاطع هدنة هشّة مع مسارات تفاوض غير مكتملة، في ظل تصعيد عسكري وسياسي غير مسبوق يمنع الحسم ويستدعي الواقعية. وفي قلب هذا المشهد، تجد الحركة السياسية الكردية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) نفسها أمام اختبار تاريخي:
إما الاستمرار في إدارة صراع طويل الكلفة، أو الانتقال إلى مرحلة تثبيت المكتسبات عبر السياسة لا الميدان.
الوقائع على الأرض لا تترك مجالاً واسعاً للمناورة. فلا السلطة المركزية في دمشق قادرة على فرض سيطرة كاملة بالقوة في المناطق الكردية دون دفع أثمان باهظة، ولا الحركة السياسية الكردية وقسد قادرة، بالمقابل، على تحويل سيطرتها العسكرية إلى كيان سياسي مفروض على المركز. هذا التوازن السلبي لا يفضي إلى منتصرين، بل يراكم الخسائر، ويجعل أي تصعيد عسكري مقامرة غير محسوبة، يدفع المدنيون ثمنها قبل الأطراف المتصارعة.
في هذا السياق، لا يبدو التفاوض ترفاً سياسياً ولا تنازلاً اضطرارياً ، بل الخيار الواقعي الأقل كلفة. فالتفاوض لا يعني التخلي عن القوة، بل إعادة تعريف دورها:
من أداة صدام مفتوحة إلى ورقة توازن تمنع الإقصاء وتفتح المجال للحلول الوسط. كما أنه لا يعني القبول بالأمر الواقع، بل السعي لتحويله إلى صيغة سياسية وقانونية قابلة للحياة ضمن الدولة السورية، بدل بقائه واقعاً مفروضاً بالقوة ومعرضاً للتآكل مع تغيّر موازين القوى.
الحركة السياسية الكردية مطالبة اليوم بما هو أبعد من إدارة السيطرة العسكرية. فهي بحاجة إلى خطاب سياسي موحّد، واضح وغير ملتبس، يربط المطالب الكردية بإطار وطني سوري جامع، ويتجنب الشعارات القصوى التي أثبتت التجربة أنها تثير المخاوف أكثر مما تحقق المكاسب. فالحقوق المستدامة لا تُحمى بالرمزية ولا بالخطاب التعبوي، بل باتفاقات قابلة للتنفيذ، مسنودة بتوازنات داخلية وضمانات سياسية واقعية.
أما الهدنة القائمة، فلا ينبغي التعامل معها بوصفها استراحة محارب، بل كفرصة سياسية نادرة. فنجاحها لا يُقاس بعدد الأيام التي تصمد فيها، بل بقدرة الأطراف على استثمارها في بناء الثقة، وفتح قنوات تفاوض علنية ومؤسسية، وتقديم إشارات جدية على الاستعداد للشراكة لا للمواجهة. وفي هذا الإطار، يبرز التركيز المتزايد على حماية المدنيين والبنية التحتية، وفتح الممرات الإنسانية، واستئناف الخدمات الأساسية، بوصفها مؤشرات سياسية بقدر ما هي إجراءات إنسانية، تعكس إدراكاً متنامياً بأن إدارة الصراع لم تعد خياراً مستداماً .
ولا يمكن فصل هذه الهدنة عن رمزيتها الخاصة في مدينة كوباني، التي لم تكن مجرد ساحة عسكرية، بل تحوّلت إلى علامة سياسية مكثّفة في الوعي الكردي والسوري على حد سواء. فاستئناف الخدمات الأساسية فيها، وفتح الممرات الإنسانية نحوها، لا يحمل دلالة إنسانية فحسب، بل يبعث بإشارة سياسية واضحة مفادها أن ما فشل السلاح في حسمه يمكن للسياسة أن تعيد تعريفه. كوباني هنا ليست اختباراً أمنياً فحسب، بل مقياساً لجدية الانتقال من منطق السيطرة إلى منطق الشراكة، ومن إدارة الصراع إلى إدارة التسوية.
صحيح أن الوساطات الإقليمية والدولية، بما فيها الدور الكردستاني، يمكن أن تشكّل عناصر دعم وضغط إيجابية، لكنها تظل عوامل مساعدة لا بدائل عن القرار السوري الداخلي. فالرهان المفرط على الخارج، مهما بدا مغرياً في لحظات الضعف، يبقى سلاحاً ذا حدين، وغالباً ما يتبدد عند أول تبدّل في أولويات اللاعبين الدوليين. ومن هنا، تصبح مسؤولية الفاعلين المحليين مضاعفة في التقاط اللحظة السياسية بدل انتظار تسويات تُفرض من الخارج.
في المحصلة، تقف الحركة السياسية الكردية وقسد أمام معادلة واضحة:
إما تحويل القوة العسكرية إلى جسر يعبر نحو حل سياسي يحفظ ما تحقق ويثبته باتفاقات، أو الاستمرار في إدارة صراع مفتوح يحمل في طياته خطر الخسارة التدريجية لما فُرض بالقوة ولم يُحصّن بالسياسة. وفي لحظة كهذه، لا يبدو التفاوض خياراً مؤجلاً أو تكتيكاً مرحلياً ، بل الطريق الوحيد لتجنّب خسارة الجميع، وفتح نافذة أمل لتسوية واقعية تخدم السوريين بكل تنوعهم.
ففي السياسة، كما في الحروب، ليست الشجاعة دائماً في مواصلة القتال… بل في معرفة اللحظة التي يصبح فيها الجلوس إلى الطاولة هو القرار الأكثر عقلانية.
وإلى مستقبل أفضل