إبراهيم اليوسف
تشير الوقائع الميدانية في منطقة كوباني وريفها إلى خرقٍ واضحٍ ومباشرٍ للهدنة المعلنة، إذ أقدمت الميليشيات التابعة لسلطة دمشق خلال فترة وقف إطلاق النار لمدة خمسة عشر يوماً، وفق بيان وزارة الدفاع، على إرسال ميليشيات تابعة لها باتجاه القرى المحيطة بالمدينة، حيث تمكنت تلك التشكيلات المسلحة من دخول نحو ستين قريةً والسيطرة عليها تدريجياً، مستفيدةً من حالة التهدئة المفترضة التي كان يُفترض أن تؤدي إلى تجميد العمليات العسكرية لا إلى توسيع نطاقها. وبهذا فإنه يتضح للعيان أن ما جرى لا يمكن توصيفه باعتباره تحركاً دفاعياً، إنما عملية تقدّم عسكري منظم خلال فترة هدنة رسمية.
وتؤكد المعلومات التي وصلتنا، من قبل شهود عيان، ومن مصادر محلية متطابقة أن القوات المتقدمة استخدمت المدفعية الثقيلة والطائرات المسيّرة في تثبيت سيطرتها ومنع حركة السكان، إذ تم فرض واقع أمني ضاغط على القرى المأهولة، وتقيّدت قدرة المدنيين على التنقل أو مغادرة مناطقهم، ناهيك عما أسفرعنه الحصار من تجويع وتشريد وغيرذلك. من هنا تبدو الهدنة عملياً بلا أثرٍ إنساني، إذ لم يرافقها أي تخفيف للضغط العسكري أو إجراءات لحماية المدنيين.
لقد سجل صباح اليوم تصعيد خطير تمثل في استهداف طائرة مسيّرة منزلاً مدنياً داخل أحد الأحياء السكنية في قرية- خراب عشك- التابعة لمدينة كوباني، ما أدى إلى استشهاد خمسة أشخاص من أفراد عائلة واحدة، بينهم أطفال ونساء. المعطيات الأولية تفيد بأن المنزل لم يكن موقعاً عسكرياً أو نقطة اشتباك، إنما مجرد دار سكن عادي. و الآلم من كل هذا أنه تم منع الأهالي عقب القصف من الاقتراب لانتشال الضحايا أو إسعاف الجرحى، حيث استهدفت المدفعية أية حركة في محيط المكان، الأمر الذي أدى إلى تأخير عمليات الإنقاذ وبقاء المصابين تحت الأنقاض حتى ساعة كتابة المقال. هذه الممارسة تمثل انتهاكاً صريحاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني الذي يفرض حماية المدنيين وضمان وصول فرق الإسعاف.
ومعروف لدينا أن هذا الهجوم البربري يتزامن مع الذكرى الحادية عشرة لانتصار كوباني على تنظيم داعش، وهي مناسبة ذات رمزية كبيرة لدى السكان المحليين ولدى الرأي العام الدولي، إذ شكّل ذلك الانتصار نقطة تحوّل في مواجهة التنظيم الإرهابي المتطرف. ومن يدقق في توقيت هذه المجزرة الآثمة ير كما يرى المراقبون أن التصعيد الحالي يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الاعتبارات العسكرية المباشرة، حيث يجري الضغط على المدينة في ذكرى حدثٍ يرتبط بهويتها ودورها في مكافحة الإرهاب.
كما تشير تقارير متعددة إلى أن جزءاً من التشكيلات التي تقاتل حالياً ضمن صفوف الميليشيات التابعة لدمشق يضم عناصر سبق أن قاتلت في تنظيمات متشددة، وعلى رأسها: تنظيم داعش، إضافة إلى مقاتلين من جنسيات أجنبية، من بينهم الإيغور والتركمان والشيشان وغيرهم، وقد جرى دمجهم ضمن تشكيلات جديدة. من هنا، يبرز تناقض واضح بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن مكافحة الإرهاب وبين الاعتماد على مجموعات تحمل خلفيات متطرفة في العمليات العسكرية الجارية.
وحقيقة، تتمثل النتيجة المباشرة لهذه التطورات في تفاقم الوضع الإنساني داخل كوباني وريفها، حيث تزايدت حركة النزوح الداخلي، وتعطلت الخدمات الأساسية، وتراجعت قدرة المدنيين على تأمين احتياجاتهم اليومية. إن استمرار القصف ومنع الوصول إلى مواقع الاستهداف يضاعف الخسائر البشرية ويقوّض أية إمكانية لبناء ثقة أو إطلاق مسار تفاوضي فعلي.
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن الهدنة المعلنة لم تُحترم على الأرض، إذ استُخدمت كغطاء لإعادة الانتشار والتوسع العسكري، بينما دفع المدنيون الثمن المباشر من حياتهم وأمنهم. الوقائع المسجلة اليوم في كوباني تؤكد أن غياب الرقابة الدولية الفاعلة وغياب آليات الحماية يتركان السكان أمام خطر دائم، وتحوّل أي اتفاق تهدئة إلى إجراء شكلي لا يحقق الحد الأدنى من السلامة الإنسانية.