في أزمة العقل السياسي الكردي: حين تعجز السياسة عن ملاحقة المجتمع

عدنان بدرالدين
تنويه للقارئ:
هذا المقال هو الجزء الثاني من سلسلة فكرية حول العلاقة بين المجتمع والسياسة في السياق الكردي. يأتي بعد مقال «الغضب الكردي: حين يسبق المجتمع السياسة»، ويحاول الانتقال من توصيف الظاهرة إلى تفكيك بنيتها السياسية والفكرية، من خلال تحليل ما أسميه هنا «أزمة العقل السياسي الكردي».
لا يمكن مقاربة هذا النص بمعزل عن التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع الكردي في السنوات الأخيرة، حيث لم يعد الغضب تعبيرًا عاطفيًا عابرًا، بل مؤشرًا على تقدّم المجتمع على السياسة، وعلى انفصال متزايد بين ما يريده الناس فعليًا وما تعيد النخب إنتاجه باسمهم. من هنا تأتي محاولة تفكيك ما يمكن تسميته بـ «أزمة العقل السياسي الكردي» بوصفها الوجه الآخر لذلك الغضب: ليس بوصفها أزمة أشخاص أو تنظيمات فقط، بل أزمة نمط تفكير سياسي تشكّل تاريخيًا تحت ضغط القمع والتجزئة والتهميش، ثم تحوّل مع الزمن إلى عائق بنيوي أمام تطور القضية ذاتها.
والمقصود هنا بـ“الغضب الكردي” ليس انفعالًا عابرًا أو ردّ فعل احتجاجيًا ظرفيًا، بل حالة اجتماعية مركّبة تعبّر عن تراكم طويل للإحباط، وعن وعي متنامٍ بالفجوة بين ما يعيشه الناس فعليًا وما تمثّله السياسة باسمهم. إنه غضب ناضج، لا غوغائي، يشير إلى تحوّل في وعي المجتمع بذاته وبحدود ما يمكن أن تقوله أو تفعله النخب باسمه.
ليس من السهل الحديث عن أزمة في “العقل السياسي” لأي شعب دون الوقوع في التعميم أو تحميل الضحية مسؤولية تاريخها. لكن ما نعيشه اليوم يفرض هذا السؤال بإلحاح: كيف لقضية بهذا العمق التاريخي، وبهذا الاتساع الجغرافي، وبهذا الزخم الاجتماعي، أن تُدار، في أغلب محطاتها، بوسائل لا تعكس حجمها ولا تشابكها الحقيقي؟
المشكلة ليست في نقص التضحيات، ولا في غياب الشجاعة، ولا في ضعف الإرادة الشعبية، بل في فجوة مزمنة بين حيوية المجتمع وضيق الأدوات السياسية التي تدّعي تمثيله.
بين ضخامة القضية وضيق أدوات إدارتها
تاريخ الكرد ليس تاريخ أقلية تبحث عن اعتراف رمزي، بل تاريخ شعب موزّع قسرًا بين دول، خاض صراعات طويلة من أجل البقاء قبل أن يطالب بالحقوق. ومع ذلك، ظل نمط إدارة هذه القضية، في كثير من مراحله، محكومًا بمنطق محلي ضيق، كأنها قضية قابلة للاختزال داخل حدود جغرافية محدودة، لا قضية ذات أبعاد دولية متشابكة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى والإقليمية.
نادراً ما جرى التعامل مع القضية الكردية باعتبارها مشروعًا طويل الأمد، له أدوات واضحة في القانون الدولي، والإعلام، والتعليم، وبناء المؤسسات. وغالبًا ما حُصرت في معارك مسلّحة محدودة، أو تحالفات عابرة مع هذه الدولة أو تلك، أو مفاوضات لا تتجاوز إدارة أزمة آنية، لا بناء مسار تاريخي مستدام. ولهذا السبب تحديدًا بقي كل إنجاز هشًّا، وكل تراجع مكلفًا، وكل فرصة تاريخية مهددة بالتبديد.
ما افتقدته السياسة الكردية في كثير من محطاتها ليس عدالة قضيتها، بل القدرة على تحويلها إلى قوة منظمة قابلة للتراكم والتدويل والاستدامة.
السياسة كإدارة بقاء لا كصناعة مستقبل
واحدة من أعمق مشكلات العقل السياسي الكردي أنه تعامل طويلًا مع السياسة بوصفها فن النجاة لا فن البناء. أي كيف نبقى، لا كيف نتقدم. كيف نمنع الأسوأ، لا كيف نحقق الأفضل.
فغلب منطق التكيّف بدل المبادرة، وتجنب الخسارة بدل السعي للمكسب، وتقليل الأضرار بدل تعظيم الفوائد. هذا المنطق مفهوم في مراحل القمع الشامل، لكنه يتحول مع الوقت إلى عبء حين يصبح أسلوبًا دائمًا في التفكير، بل وأحيانًا طريقة حياة سياسية، حتى في لحظات الانفتاح النسبي أو التحولات الكبرى.
وهنا تحديدًا يتكرّس نمط من السياسة لا يسأل: ماذا نريد أن نبني؟
بل يكتفي بسؤال: كيف ننجو هذه المرة أيضًا؟
حين تُدار القضية كملفات منفصلة لا كمسار تاريخي واحد
من أبرز أعراض هذه الأزمة أن السياسة الكردية تشكّلت، في معظمها، وفق شروط التقسيم السياسي القسري الذي فُرض على الجغرافيا الكردية، لا وفق رؤية تاريخية شاملة لوضع شعب واحد موزّع بين كيانات متعددة.
فصار لكل من السياقات الكردية المختلفة سياقها السياسي الخاص، وأولوياتها، وتحالفاتها، وخطابها الذي يعكس شروط وجودها داخل الدولة التي أُلحقت بها، إلى حد بات فيه التمايز بين هذه السياقات ضرورة واقعية لا يمكن إنكارها أو القفز فوقها.
غير أن الإشكال لا يكمن في هذا التمايز بحد ذاته، بل في تحوّله إلى قطيعة ذهنية ووظيفية، بحيث لم يعد يُنظر إلى هذه السياقات بوصفها تجليات متعددة لجسم تاريخي واحد تعرّض للتفكيك، بل كقضايا منفصلة لا يجمع بينها سوى الانتماء اللغوي أو العاطفي.
وهكذا لم يتبلور تصور سياسي يرى في هذا التعدد القسري طاقة يمكن تنظيمها سياسيًا وفكريًا ضمن تصور عام يربط هذه السياقات بعضها ببعض، ويمنع تحوّل كل جزء إلى قضية معزولة لا ترى في غيرها سوى شأن خارجي أو ثانوي.
من التمثيل إلى الاحتكار
أخطر ما أصاب العقل السياسي الكردي هو تحوّل التمثيل إلى احتكار. أي أن من يتحدث باسم القضية لا يكتفي بتمثيل جزء منها، بل يقدّم نفسه بوصفه القضية ذاتها.
وحين تصبح القيادة مرادفة للقضية، تتحول أي مساءلة إلى “خيانة”، وأي نقد إلى “طعن في الظهر”، وأي بديل إلى “مؤامرة”. وهكذا تعطّلت آلية يفترض أن ترافق كل حركة تحرر: المحاسبة، وتجديد النخب، وتداول الرأي.
ليس المطلوب هنا استبدال نخب بنخب، بل استعادة معنى أن تكون القيادة وظيفة مؤقتة في خدمة مشروع دائم، لا مشروعًا دائمًا في خدمة وظيفة مؤقتة.
حين تصبح الرمزية بديلاً عن الفعل
ومع اتساع الحضور الإعلامي والسياسي للحركة الكردية، بدأت تميل إلى تعويض الفعل الصعب بالرمز السهل: نشاطات عالية الحضور الإعلامي لكنها محدودة الأثر السياسي الفعلي، كالمؤتمرات المتكررة التي لا تُنتج آليات متابعة، أو البيانات التي لا تتبعها استراتيجيات ضغط حقيقية، أو اللقاءات الدولية التي تُستهلك إعلاميًا دون أن تتحول إلى أوراق تفاوضية فاعلة.
لا شك أن الرمزية مهمة، لكنها تصبح خطيرة حين تتحول إلى بديل عن بناء القوة الفعلية: قوة المؤسسات، وقوة الاقتصاد المجتمعي، وقوة الإعلام المستقل، وقوة الكادر السياسي المتخصص. وهنا يتشكل وهم قاتل: أن الظهور الدولي يعني حضورًا دوليًا، وأن التعاطف الأخلاقي يعني دعمًا سياسيًا.
حين يتقدّم المجتمع وتبقى السياسة في الخلف
الحراك الشعبي الذي نشهده اليوم ليس مجرد انفجار غضب، بل تعبير صريح عن أن المجتمع لم يعد ينتظر السياسة، ولا يثق بها كما كان. إنه يقول بلغته البسيطة: نحن هنا… أين أنتم؟
وهذا السؤال لا يُطرح من موقع عداء، بل من موقع خيبة أمل تاريخية. فالمجتمع لم يتغير فجأة، بل السياسة هي التي توقفت عن التطور، واكتفت بإعادة إنتاج ذاتها بأسماء جديدة وأساليب قديمة.
لقد صار المجتمع، في كثير من السياقات الكردية، أكثر دينامية، وأكثر اتصالًا بالعالم، وأكثر حساسية لقيم العدالة والحرية والمساءلة، من نخب لا تزال تفكر بعقلية الطوارئ، أي بعقلية ترى السياسة دائمًا بوصفها إدارة أزمة آنية لا بناء مسار طويل الأمد.
ما البدائل؟ حين يصبح الشعب هو نقطة البدء
هنا نصل إلى لبّ المسألة، وإلى ما يجعل هذا المقال مختلفًا عن مجرد نقد للنخب.
إعادة تعريف القضية تبدأ حين نكفّ عن حصرها في التنظيمات السياسية وحدها، ونعيد ربطها بحياة الناس اليومية: باللغة التي يتكلمونها، وبالذاكرة التي يحملونها، وبالمرأة بوصفها حافظة المجتمع في أشد لحظاته هشاشة، وبالعمل والجامعة والحيّ والأسرة.
صحيح أن الكرد، في معظم أماكن وجودهم، محرومون من دولة ومؤسسات رسمية تمثلهم، وأن المدارس والإعلام والاقتصاد خاضعة لسلطات لا تعكس إرادتهم، بل كثيرًا ما تعمل ضدها، لكن هذا لا يلغي إمكان بناء فضاءات مجتمعية بديلة: تعليم أهلي، مبادرات ثقافية مستقلة، شبكات إعلامية خارج التمويل الحزبي، واقتصاد تضامني صغير، تشكّل مجتمعة نواة قوة اجتماعية في ظل غياب الدولة.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل تجربة إقليم كردستان العراق بوصفها فرصة تاريخية نادرة أُتيحت للكرد لبناء كيان سياسي شبه مستقل، يمتلك مؤسسات، واقتصادًا، وعلاقات دولية، ويعمل ضمن هامش سيادة أوسع من سائر السياقات الكردية الأخرى.
هذه التجربة، بكل إنجازاتها الواقعية في بناء بنى تحتية متقدمة نسبيًا، وواقع تعليمي مقبول، ومستوى معيشة أعلى من محيطها الإقليمي، وبما تحمله في الوقت ذاته من تناقضات وإخفاقات بنيوية، تمثّل دليلًا عمليًا على أن بناء بدائل واقعية ليس وهمًا نظريًا، بل مسارًا ممكنًا حين تتوافر شروط الحد الأدنى من الاستقرار والموارد والاعتراف الدولي. وليس المقصود هنا تمجيد التجربة أو تبرير اختلالاتها، بل الإشارة إلى أن وجود كيان كردي شبه مستقل بقدرات مادية وعلاقات دولية معتبرة يفتح أفقًا عمليًا لإعادة التفكير في إمكانات السياسة الكردية خارج منطق الشعارات وحده.
هنا لا يعود الشعب مجرد “قاعدة دعم”، بل يتحول إلى مصدر شرعية ومعيار تقييم لأي سياسة تُطرح باسمه.
بدلًا من الخاتمة: السياسة خيار لا قدر
أزمة العقل السياسي الكردي ليست قدرًا تاريخيًا، بل نتيجة خيارات متراكمة يمكن مراجعتها. وما دام المجتمع قد بدأ يتحرك خارج القوالب القديمة، فإن فرصة إعادة بناء السياسة على أسس جديدة لم تعد حلمًا نظريًا، بل احتمالًا واقعيًا.
البديل ليس في انتظار نخب أفضل فقط، بل في خلق بيئة لا تسمح لنخب سيئة أن تحكم باسم القضية.
وحين يصبح الشعب هو نقطة البدء، تعود السياسة إلى معناها الحقيقي:
أداة لتحرير المجتمع، لا لإدارته كملف مؤجل.
يناير 2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…