الجيش الجديد وسيناريو الخراب السوري

 خالد إبراهيم

لم تعد سوريا كما كانت، ولا كما عرفها التاريخ، ولا كما حلم بها أبناؤها الذين رسموا صور الوطن في مخيّلاتهم بعيدا عن الخراب والفتن، سوريا اليوم ليست مجرد بلد على خارطة، بل هي لوحة مفتوحة على الفوضى، مساحة تتقاطع فيها أقدار الشعوب مع طموحات الدول ومشاريع الجيوب الأمنية، سوريا هي اليوم كيان ينزف من داخله قبل حدوده، دولة تُدار بعقل الغنيمة لا بعقل الدولة، وبمنطق الغلبة لا بمنطق العقد الاجتماعي، ما يُسمّى اليوم بالجيش السوري الجديد ليس جيشًا وطنيًا خرج من رحم المجتمع ليحميه، بل هو تركيب هجين من عصبيات مذهبية، وتجميع قسري لمليشيات، وتدوير أنقاض جماعات جهادية، وأشلاء فصائل وُلدت على موائد الاستخبارات لا في ساحات السياسة، ليس جيشًا يمثل سوريا، بل جيش يمثل سردية واحدة لسوريا: سوريا المختزلة في لون مذهبي، وفي هوية أحادية تصادر ما عداها، وتحول أربعين بالمئة من شعب البلاد إلى فائض ديمغرافي، إلى كتلة شبهة، إلى كيان مشروط بالبقاء الصامت أو الزوال، هذا الجيش لم يُبنَ على مفهوم المواطنة ولا على احتراف الدولة الحديثة، بل على فقه الغلبة وعلى تخيل قديم للدولة بوصفها غنيمة حرب لا فضاء عقد اجتماعي، من هنا نفهم لماذا يتحول وزير أوقاف إلى قاضٍ تكفيري، ولماذا تُسمّى الحملات العسكرية بـ”الفتوحات”، وكأن الزمن قد انقلب على نفسه وعاد يبحث في ركام القرن السابع عن شرعية لقتل أبناء القرن الحادي والعشرين، ليست المعركة هنا عسكرية فقط، بل هي صراع على تعريف سوريا: هل هي وطن لجميع من وُلد على ترابها، أم هي حقل امتياز ديني وقومي مغلق؟ ما جرى في سوريا لم يكن ثورة فقط، ولا مؤامرة فقط، بل التقاء مأساوي بين استبداد داخلي أعمى وطموحات إقليمية شرهة وغياب أي مشروع دولة حقيقي، الدول الخليجية التي ضخّت نار السلاح لم تكن تسعى لبناء دولة ديمقراطية في دمشق، بل لإعادة رسم ميزان الإقليم على أنقاضها، وسوريا تحولت من بلد إلى ساحة تصفية حسابات بين مشروع إيراني مذهبي ومشروع عثماني طوراني ومصالح غربية لا ترى في الخرائط سوى خطوط النفط والممرات، الجولاني اليوم ليس إلا واجهة محلية لمشروع أكبر منه بكثير، مشروع يقوم على عسكرة القبائل وتديين السياسة وتحويل المجتمع إلى كتلة طيعة تُقاد باسم السماء وتُدار بأوامر الأرض، الفصائل الموالية لتركيا لا تعمل وفق منطق الدولة السورية، بل وفق هندسة وزارة الدفاع التركية، وتتحرك في الجغرافيا السورية بوصفها امتدادًا أمنيًا لأنقرة لا تعبيرًا عن سيادة دمشق، سوريا لم تعد دولة مستقلة، بل مساحة نفوذ متداخلة: شمالها عثماني الهوى، جنوبها إسرائيلي الإملاء، شرقها أمريكي الاستثمار، وغربها روسي الحراسة، وفي القلب شعب يتآكل بين هذه القوى، الأسطورة التي يُعاد إنتاجها اليوم هي أسطورة “الخلافة الجديدة”: خلافة هجينة تمزج بين شهوة السلطنة العثمانية وحنين الخلافة الدينية وتبحث عن توسّع لا عبر القيم بل عبر الخراب، ليس صدفة أن يُطرح شمال العراق وغرب إيران وجنوب سوريا كهوامش طبيعية لهذا المشروع، ولا صدفة أن تُحيّد إسرائيل باتفاقات أمنية بينما تُرفع رايات “تحرير القدس” في الخطابات، في الشرق الأوسط لا تُدار السياسة بالشعارات، بل بتقاطع المصالح، والجولاني لا يرى في إسرائيل عدواً، بل شريكاً ضرورياً لضمان البقاء، كما أن إسرائيل لا ترى في دمشق الجهادية خطراً، بل فرصة لإعادة تشكيل الجنوب السوري بوصفه منطقة عازلة بلا سيادة، أما الأكراد فهم العقدة التي لم تُحل بعد، والجسم الذي يُراد اقتلاعه لأنه الوحيد الذي امتلك مشروعاً سياسياً لا يستمد شرعيته من السماء ولا من أنقرة ولا من الرياض ولا من طهران، وبيع النفط شرق الفرات ليس صفقة اقتصادية، بل صفقة وجود: ثمنها إسكات واشنطن وتحييدها عن أي صدام مع المشروع التركي، والعراق ليس بعيدًا عن المشهد، إعادة تدوير سجناء داعش ليُزجّ بهم في خاصرة الجنوب والوسط ليست إجراءً أمنيًا، بل هندسة فوضى مؤجلة، تحضير لمسرح دم جديد حين تنضج لحظة الانفجار، المنطقة تعود ببطء مرعب إلى مناخ 2011: حروب عصابات، مجازر طائفية، هويات مذبوحة على الحواجز، ودول تُدار بالعقيدة لا بالدستور، وكل هذا يحدث بينما يُطلب من السوري أن يصدق أن ما يجري هو “تحرير”، وأن من يُقصى اليوم هو مجرد “تفصيل مؤقت” في مسيرة بناء الدولة، الأقليات السورية اليوم لا تعيش فقط هزيمة سياسية، بل تعيش انكسارًا وجوديًا، لم تعد تشعر أن الدولة بيتها، ولا أن القانون يحميها، ولا أن الغد لها، هي اليوم في حالة تقية جماعية، صمت مفروض، خوف صامت، ترقب لفرج لا تملكه، في انتظار تبدّل موازين قد لا تأتي قريبًا، لكن النظام الجديد يحمل في داخله بذور فنائه: الدولة التي تُبنى على الإقصاء تحتاج دائمًا إلى عدو داخلي لتبرير وجودها، وكلما استنفدت أعداءها انقلبت على نفسها، الدولة التي لا تؤمن بالتعدد لا تنتج استقرارًا، بل هدنة مؤقتة فوق فوهة بركان، سوريا اليوم ليست فقط دولة فاقدة للسيادة، بل دولة فاقدة للمعنى، كيان يتآكل من الداخل بين نصوص دينية متحجرة وطموحات توسعية مجنونة وتواطؤ دولي فاجر، وما لم تُستعاد سوريا بوصفها وطنًا لا غنيمة، وعقدًا اجتماعيًا لا فتوى، وهوية جامعة لا راية مذهبية، فإن ما نراه اليوم ليس نهاية المأساة بل مقدمتها الكبرى، ولسوف يستمر الانقسام والاقتتال الداخلي ما لم تُبنى الدولة على قيم شمولية، سيادة حقيقية، ومواطنة حقيقية .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…